سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٧ - تنبيهات
القول الثاني: أنّ فيها الجلد دون العشرة، لنهيه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حدّ.
و القول الثالث: اجتهاد الإمام في ذلك حسب ما يراه من سدّ الذريعة، و إغلاق باب الشرّ بالوعيد، و إما بالسّجن، و إما بالضرب. فإن قيل: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها، قلنا: قد قال: دعوها فإنها منتنة، فقد أكّد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، و بعد وصف النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بالإنتان، وجب أن يؤدّب حتى يشمّ نتنها، كما فعل أبو موسى بالجعديّ، و لا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها، و العقوبة عليها.
السادس: في استئذان عبد الله بن عبد الله بن أبيّ في قتل أبيه المنافق، من أجل المقالة الخبيثة التي قالها.
و في هذا العلم العظيم و البرهان النّيّر من أعلام النبوة، فإن العرب كانت أشدّ خلق اللّه حميّة و تعصّبا، فبلغ الإيمان منهم و نور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه و ولده، تقرّبا إلى اللّه تعالى و تزلّفا إلى رسوله، مع أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أبعد الناس [نسبا] منهم، أي الأنصار، و ما تأخّر إسلام قومه و بني عمّه و سبق إلى الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهله و أقربوه إلى الإيمان به لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم، و تعصّبوا له، فلما بادر إليه الأباعد و قاتلوا على حبّه من كان منهم، أو من غيرهم، علم أن ذلك عن بصيرة صادقة، و يقين قد تغلغل في قلوبهم، و رهبة من اللّه تعالى أزالت صفة قد كانت [سدكت] في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، و هو القادر على ما يشاء.
السابع: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لجويرية حتى عرف من حسنها ما عرف، و ذلك لأنها كانت أمة مملوكة، و لو كانت حرة ما ملأ عينه منها، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء. و جائز أيضا أن يكون نظر إليها لأنه نوى نكاحها، أو أنّ ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب.
الثامن: وقع في هذه الغزوة حديث الإفك، و سيأتي الكلام عليه في الحوادث في سنة خمس. قيل: و فيها نزلت آية التيمّم، و سيأتي الكلام عليه في الحوادث.
التاسع: في بيان غريب ما سبق:
الفرع- بالفاء و الراء و العين المهملة وزن قفل- من أعمال المدينة.
تألّبوا: تجمّعوا.
استأصله: أهلكه.
كثيف- بكاف فمثلثة فتحتية ففاء- اسم يوصف به العسكر و السحاب و الماء و كثف:
غلظ.