سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٤ - ذكر ما نزل في ابن أبيّ في هذه الغزوة
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بشير فقال: «يا أبا النّعمان»، قال: لبيك إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «خبرك يا بن رواحة؟» فأخبره كيف تقدّم، و ما كان من ذلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تطرقوا النساء ليلا» [١].
قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة مؤيّدا منصورا، [و كانت مدة غيبته شهرا إلّا ليلتين].
ذكر قدوم الحارث بن أبي ضرار، و سبب إسلامه
قال الحافظ ابن عائذ: أخبرني محمد بن شعيب، عن عبد الله بن زياد قال: أفاء اللّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فغيّبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بسائر الإبل،
فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، و هذا فداؤها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق بشعب كذا؟»
فقال الحارث: أشهد أنك رسول اللّه، و لقد كان منّي في البعيرين، و ما اطّلع على ذلك إلا اللّه تعالى، فأسلم.
ذكر ما نزل في ابن أبيّ في هذه الغزوة
روى محمد بن عمر، عن رافع بن خديج قال: سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أبيّ قبل أن ينزل فيه القرآن: ايت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستغفر لك، قال: فرأيته يلوي رأسه معرضا، يقول عبادة: أما و اللّه لينزلنّ اللّه تعالى في ليّ رأسك قرآنا يصلّى به. قال: فبينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسير من يومه ذلك، و زيد بن أرقم يعارض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) براحلته يريد وجهه في المسير، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستحثّ راحلته «حل حل» و هو مغذّ في السّير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلّا أن رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تأخذه البرحاء و يعرق جبينه، و تثقل يدا راحلته حتى ما تكاد تنقلهما عرفت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوحى إليه، و رجوت أن ينزل اللّه تعالى تصديقي قال زيد: فسرّي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأخذ بأذني و أنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي، و رفعها إلى السماء، و هو يقول: وفت أذنك يا غلام، و صدّق اللّه حديثك. و نزلت سورة المنافقين في ابن أبيّ من أوّلها إلى آخرها، و جعل بعد ذلك ابن أبيّ إذا أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاقبونه و يأخذونه و يعنّفونه،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لعمر بن
[١] أخرجه الدارمي ١/ ١١٨ و الطبراني في الكبير ١١/ ٢٤٥ و الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٩٣ و البيهقي في الدلائل ٤/ ٢٧١.