سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٢ - ذكر إخباره (صلّى اللّه عليه و سلم) بموت كبير من المنافقين و إخباره عن موضع ناقته حين فقدت و بما قاله بعض أهل النفاق
قاتلك اللّه، يا عدوّ اللّه، نافقت. ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: و اللّه لو لا أني لا أدري ما يوافق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من ذلك لأنفذت خصيتك بالرّمح يا عدوّ اللّه فلم خرجت معنا و هذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، و لعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء. و وقعوا به جميعا، و قالوا: و اللّه لا يكون منك سبيل أبدا، و لا يظلّنا و إياك ظلّ أبدا، و لو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ساعة من نهار] فوثب هاربا منهم أن يقعوا به، و نبذوا متاعه، فعمد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوّذا به،
و قد جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبر ما قال من السماء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المنافق يسمع: «إنّ رجلا من المنافقين شمت أن ضلّت ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)»، و قال: «ألا يخبره اللّه بمكانها؟، فلعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة»، و لا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى، و إن اللّه تعالى قد أخبرني بمكانها، و إنها في هذا الشّعب مقابلكم، قد تعلّق زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها
(٣).
فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلمّا نظر المنافق إليها سقط في يده، فقام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، و إذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منّا! فقال: أكلّمكم، فدنا فقال: أنشدكم اللّه- و في لفظ:
أذكركم اللّه- هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: لا، و اللّه، و لا قمنا من مجلسنا، قال: فإني قد وجدت عند القوم ما تكلّمت به، و تكلّم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فأخبرهم بما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنه قد أتي بناقته، و قال: إني قد كنت في شكّ من شأن محمد، فأشهد أن محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكأني لم أسلم إلا اليوم. قالوا: فاذهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستغفر لك. فذهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و استغفر له، و اعترف بذنبه. قال ابن عمر: و يقال: إنه لم يزل فشلا حتى مات، و صنع مثل هذا في غزوة تبوك.
و لما انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فجعل يتصفّح الرّكاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه: ما تريد يا لكع؟
قال: و اللّه لا تدخل حتى يأذن لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لتعلم أيهما الأعزّ من الأذلّ: أنت أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)! فمن مرّ به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله و يمنع غير ذلك، فيقول:
تصنع هذا بأبيك؟!
حتى مرّ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له، فمرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و عبد اللّه واطئ على يد راحلة أبيه، و ابن أبيّ يقول: لأنا أذلّ من الصّبيان، لأنا أذلّ من النّساء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «خلّ عن أبيك»، فخلّى عنه.
و لمّا مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالنّقيع- و هو بالنون- منصرفه من المريسيع و رأى سعة و كلأ