سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٠ - ذكر تكبيس ظهره (صلّى اللّه عليه و سلم)
سعد بن عبادة، و يقال: أسيد بن حضير، و به جزم ابن إسحاق. و قال محمد بن عمر: إنه الثّبت،
فقال: السلام عليك أيها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته. قال: يا رسول اللّه قد رحلت في ساعة منكرة لم تكن ترحل فيها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أ و لم يبلغك ما قال صاحبكم؟» قال: أيّ صاحب يا رسول اللّه؟ قال:
ابن أبيّ، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذلّ، قال: فأنت يا رسول اللّه تخرجه إن شئت، فهو الأذلّ و أنت الأعزّ، و العزّة للّه و لك و للمؤمنين.
ثم قال: يا رسول اللّه: ارفق به، فو اللّه لقد جاء اللّه تعالى بك و إنّ قومه لينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهوديّ، قد أرب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها، فجاء اللّه تعالى بك على هذا الحديث، فلا يرى إلا أن قد سلبته ملكه.
و بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ [١] مقالة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فجاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «يا رسول اللّه، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو اللّه لأحملنّ إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، و اللّه لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالديه منّي، و ما أكل طعاما منذ كذا و كذا من الدهر و لا شرب شرابا إلا بيدي، و إني لأخشى يا رسول اللّه أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار. و عفوك أفضل، و منّك أعظم». فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يا عبد الله ما أردت قتله و لا أمرت به، و لنحسننّ له صحبته ما كان بين أظهرنا»
فقال عبد الله: «يا رسول اللّه، إنّ أبي كانت أهل هذه البحيرة قد اتّسقوا عليه ليتوّجوه عليهم، فجاء اللّه تعالى بك، فوضعه اللّه و رفعنا بك، و معه قوم يطوفون به يذكّرونه أمورا قد غلب اللّه تعالى عليها.
ثم متن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، و ليلتهم حتى أصبح، و صدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشّمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما، و لم ينزل أحد عن رحلته إلا لحاجة أو لصلاة، و إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستحثّ راحلته و يخلفها بالسّوط في مراقّها، و إنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبيّ.
ثم راح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالناس، و سلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النّقيع- بالنون- و يقال نقعاء- بالنون المفتوحة و القاف الساكنة و المدّ.
[١] (عبد الله) بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحر بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ... و هو ابن أبي ابن سلول و كانت سلول امرأة من خزاعة و كان أبوه رأس المنافقين و كان اسم هذا الحباب بضم المهملة و الموحدتين و به يكنى أبوه فسماه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عبد الله و شهد عبد الله هذا بدرا و أحدا و المشاهد قال ابن أبي حاتم صحبة و ذكره ابن شهاب و عروة. [الإصابة ٤/ ٩٥، ٩٦].