سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٩ - ذكر تكبيس ظهره (صلّى اللّه عليه و سلم)
غلام لعلك غضبت عليه! قال: لا و اللّه يا رسول اللّه، فقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، قال: لا و اللّه يا رسول اللّه، قال: فلعله شبّه عليك، قال: لا و اللّه يا رسول اللّه.
و شاع في العسكر ما قال ابن أبيّ، و ليس للناس حديث إلا ما قال، و جعل الرّهط من الأنصار يؤنّبون الغلام و يلومونه، و يقولون: عمدت إلى سيّد قومك تقول عليه ما لم يقل، و قد ظلمت و قطعت الرّحم! فقال زيد: و اللّه لقد سمعت ما قال، و اللّه ما كان في الخزرج رجل واحد أحبّ إليّ من عبد الله بن أبيّ، و لو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إني لأرجو أن ينزل اللّه على نبيّه ما يصدّق حديثي.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، مر عبّاد بن بشر- و يقال: محمد بن مسلمة- فليأتك برأسه، فكره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هذه المقالة، و قال: لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه،
و قام النّفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و ردّه على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبيّ فأخبروه. و قال أوس بن خوليّ. يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فليستغفر لك. و لا تجحده، فينزل فيك ما يكذّبك، و إن كنت لم تقله فأت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاعتذر له، و احلف له ما قلته. فحلف باللّه العظيم ما قال من ذلك شيئا.
ثم مشى ابن أبيّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا بن أبيّ إن كانت منك مقالة فتب، فجعل يحلف باللّه ما قلت ما قال زيد، و لا تكلّمت به.!
فقال من حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الأنصار من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثة و لم يحفظ ما قال الرّجّل»، حدبا على ابن أبي و دفعا عنه، و كان شريفا في قومه عظيما، فظانّ يظن أنه قد صدق، و ظانّ يظن به السوء.
ذكر تكبيس ظهره (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى محمد بن عمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان جئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو في فيء شجرة عنده غلام أسود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول اللّه كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي النّاقة الليلة، فقلت: يا رسول اللّه ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أو كنت فاعلا؟» قلت:
نعم و الذي بعثك بالحق. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): إذن لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه، قلت: يا رسول اللّه فمر محمد بن مسلمة يقتله، قال: لا يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، قلت: فمر الناس بالرّحيل، قال: نعم، قال: فأذّنت بالرّحيل في الناس،
و يقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد طلع على ناقته القصواء، و كانوا في حرّ شديد، و كان لا يروح حتى يبرد، إلا أنّه لمّا جاءه خبر ابن أبيّ رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه