سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - ذكر خروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه
و حمل لواء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
و خرج المسلمون بتجارات لهم إلى بدر فربحت ربحا كثيرا.
قال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: ربحت للدّينار دينارا.
فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، و قام السّوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام، و السوق قائمة، و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده.
فأتاه مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، و هو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودّان، و أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أكثر أهل الموسم، فقال: يا محمد، لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): و إن شئت مع ذلك رددنا ما كان بيننا و بينك، فقال: لا و اللّه ما لنا بذلك من حاجة، بل نكفّ أيدينا عنكم، و نتمسّك بحلفك.
و قال أبو سفيان لقريش: قد بعثنا نعيم بن مسعود لأن يخذّل أصحاب محمد عن الخروج، و هو جاهد، و لكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج بلغه أنّا خرجنا فرجعنا، لأنه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، و إن كان خرج أظهرنا أن هذا عام جدب، و لا يصلحنا إلا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت. فخرج في قريش و هم ألفان و معهم خمسون فرسا، حتى انتهوا إلى مجنّة من ناحية الظّهران، ثم قال: ارجعوا لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق، نرعى فيه الشجر و نشرب فيه اللبن، و إن عامكم هذا عام جدب، و إني راجع فارجعوا، فسمّى أهل مكة ذلك الجيش «جيش السّويق»، و يقولون: خرجوا يشربون السّويق.
و انطلق معبد بن أبي معبد الخزاعيّ سريعا، بعد انقضاء الموسم إلى مكة، فأخبر بكثرة المسلمين، و أنهم أهل ذلك الموسم، و أنهم ألفان، و أخبر بما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) للضّمريّ، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد و اللّه نهيتك يومئذ أن تعد القوم، و قد اجترأوا علينا، و رأوا أنّا قد أخلفناهم، و إنما خلّفنا الضّعف عنهم، و أخذوا في الكيد و النّفقة في قتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و استجلبوا من حولهم من العرب، و جمعوا الأموال و ضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلّا أن يأتي بمال، و لم يقبل من أحد منهم أقلّ من أوقيّة لغزو الخندق.
ثم انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة.