سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢١ - ذكر إرسال عبد اللّه بن أبيّ إليهم بعد الخروج من أرضهم
نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا إنّا إنّما شرفنا على قومنا بأموالنا و فعالنا، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنّا كغيرنا من اليهود في الذّلة و الإعدام و إن محمدا إن سار إلينا فحاصرنا في هذه الصياصي يوما واحدا، ثم عرضنا عليه ما أرسل به إلينا لم يقبله، و أبى علينا».
قال حييّ بن أخطب: «إن محمدا لا يحصرنا إلّا إن أصاب منا نهزة، و إلا انصرف، و قد وعدني ابن أبيّ ما قد رأيت».
قال سلّام: «ليس قول ابن أبيّ بشيء، إنما يريد ابن أبيّ أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدا، ثم يجلس في بيته و يتركك، قد أراد من كعب بن أسد النّصر و أبى كعب، و قال: لا ينقض هذا العهد رجل من بني قريظة و أنا حيّ، و إلا فابن أبيّ قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا و نقضوا العهد، و حصروا أنفسهم في صياصيهم، و انتظروا نصر ابن أبيّ، فجلس في بيته، و سار إليهم محمد فحصرهم، حتى نزلوا على حكمه، فابن أبيّ لا ينصر حلفاءه، و نحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حروبهم كلها، إلى أن انقطعت حروبهم، و قدم محمد فحجز بينهم. و ابن أبيّ لا هو على دين يهود، و لا هو على دين محمد، و لا هو على دين قومه، فكيف تقبل منه قوله؟ قال حييّ: «تأبى نفسي إلّا عداوة محمد و إلّا قتاله». قال سلّام: «فهو و اللّه جلاؤنا من أرضنا، و ذهاب أموالنا و شرفنا، و سبي ذرارينا، مع قتل مقاتلتنا» فأبى حييّ إلّا محاربة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
فقال له ساموك- بالكاف- ابن أبي الحقيق- بحاء مهملة مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى- و كان ساموك ضعيفا عندهم في عقله، كانت به جنّة: «يا حييّ أنت رجل مشؤوم، تهلك بني النضير»، فغضب حييّ و قال: كلّ بني النّضير قد كلّمني حتى هذا المجنون، فضربه إخوته، و قالوا لحييّ: أمرنا لأمرك تبع، لن نخالفك.
فأرسل حييّ أخاه جديّ- بضم الجيم و فتح الدال المهملة و تشديد التحتية- ابن أخطب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول له: إنّا لا نبرح من ديارنا و أموالنا، فاصنع ما أنت صانع. و أمره أن يأتي ابن أبيّ فيخبره برسالته إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يأمره أن يتعجل ما وعد من النّصر.
فذهب جديّ بن أخطب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالذي أرسله حييّ، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو جالس بين أصحابه فأخبره، فأظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) التكبير، و كبّر المسلمون لتكبيره، و قال: حاربت يهود.
و خرج جديّ حتى دخل على ابن أبيّ و هو جالس في بيته، و معه نفر من حلفائه، و قد نادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمرهم بالمسير إلى بني النّضير، فدخل عبد اللّه بن عبد اللّه بن