سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١ - ذكر وصول أبي سفيان إلى قرب المدينة و حذره من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
يشير بيده: «هذا مصرع فلان، و هذا مصرع فلان، إن شاء اللّه، فما تعدّى منهم أحد موضع إشارته». رواه الإمام أحمد و مسلم و غيرهما [١].
و أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ببدر، و ارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت بحدّها و حديدها تحادّ اللّه عزّ و جلّ، و تحادّ رسوله، و جاءوا على حرد قادرين، و على حميّة و غضب و حنق على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، لما يريدون من أخذ عيرهم و قتل من فيها، و قد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرميّ و أصحابه و العير التي كانت معه، فجمعهم اللّه تعالى على غير ميعاد، كما قال تعالى: وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال ٤٢] فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تصوّب من العقنقل- و هو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي- فكان أوّل من طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوّأ للقوم منزلا،
فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادّك و تكذّب رسولك، اللّهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة».
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم) لما رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر: «إن يك في أحد من القوم خير فعند صاحب هذا الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، يا عليّ ناد حمزة- و كان أقربهم من المشركين- من صاحب الجمل الأحمر؟»
فقال: هو عتبة و هو ينهى عن القتال، و يأمر بالرجوع و يقول: يا قوم اعصبوها اليوم برأسي و قولوا: جبن عتبة، و أبو جهل يأبى.
و بعث خفاف- بضمّ الخاء المعجمة و فاءين- ابن إيماء- بهمزة مكسورة فمثنّاة تحتية ساكنة و ميم ممدودة- ابن رحضة- بفتح الراء و الحاء المهملتين و الضاد المعجمة- أو أبوه [إيماء بن رحضة الغفاريّ]- و أسلم الثلاثة بعد ذلك- إلى قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه و قال: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاح و رجال فعلنا، فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم، و قد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنّا إنما نقاتل النّاس فما بنا من ضعف عنهم، و لئن كنا إنما نقاتل اللّه- كما يزعم محمد- فما لأحد باللّه من طاقة.
فلما نزل النّاس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، منهم حكيم بن حزام،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «دعوهم، فما شرب منهم أحد إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل»،
و أسلم بعد ذلك و حسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا و الذي نجّاني يوم بدر.
فلما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ- و أسلم بعد ذلك- فقالوا له: احزر لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا
[١] أخرجه مسلم ٤/ ٢٢٠٣ (٧٧- ٢٨٧٤).