سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - الباب الرابع عشر في غزوة حمراء الأسد
جراحات و بكعب بن مالك بضعة عشر جرحا، و بقطبة بن عامر تسع جراحات، و وثب المسلمون إلى سلاحهم، و ما عرّجوا على دواء جراحاتهم.
قال ابن عقبة: و أتى عبد الله بن أبيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: أنا راكب معك.
فقال: «لا».
قال ابن إسحاق و ابن عمر: و أتى جابر بن عبد الله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه إنّ مناديك نادى ألّا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس، و قد كنت حريصا على الحضور، و لكنّ أبي خلّفني على أخوات لي سبع- و في لفظ: تسع، و هو الصحيح- و قال: يا بنيّ لا ينبغي لي و لا لك أن نترك هؤلاء النسوة و لا رجل معهنّ، و أخاف عليهنّ و هن نسيّات ضعاف، و لست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على نفسي، فتخلّف على إخوتك، و أنا خارج مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لعلّ اللّه تعالى يرزقني الشهادة، و كنت رجوتها فتخلّفت عليهنّ، فاستأثر عليّ بالشهادة، فأذن لي يا رسول اللّه أسر معك، فأذن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري. و استأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم. و دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بلوائه، و هو معقود لم يحلّ من الأمس، فدفعه إلى عليّ بن أبي طالب، و يقال: دفعه إلى أبي بكر الصديق، و استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو مجروح في وجهه إثر الحلقتين، و هو مشجوج في جبهته في أصول الشّعر و رباعيته قد شظيت، و شفته السفلى قد كلمت من باطنها، و هو متوهّن منكبه الأيمن، لضربة ابن قمئة- لعنه اللّه تعالى- و ركبتاه مجحوشتان، فدخل (صلّى اللّه عليه و سلم) المسجد، فركع فيه ركعتين و الناس قد حشدوا، كما نزل أهل العوالي حيث جاءهم الخبر.
ثم دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بفرسه «السّكب» على باب المسجد، و لم يكن مع أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحمراء الأسد فرس إلا فرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و تلقّاه طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه و قد سمع المنادي فخرج ينظر: متى يسير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عليه الدّرع و المغفر، و ما يرى منه إلا عيناه،
فقال: «يا طلحة، أين سلاحك؟» قال: قريب يا رسول اللّه فخرج فأتى بسلاحه، و إذا به في صدره تسع جراحات، و قال: و لأنا أهمّ بجراح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منّي بجراحي، ثم أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على طلحة فقال: «أين ترى القوم الآن؟»، قال: هم بالسّيّالة، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ذلك الذي ظننت، أما إنّهم يا طلحة لن ينالوا منّا مثلها حتى يفتح اللّه تعالى مكة علينا».
و كان دليله (صلّى اللّه عليه و سلم)، إلى حمراء الأسد ثابت بن ثعلبة الخزرجيّ.