سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣ - الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم
جماع أبواب المغازي التي غزا فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة
الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
قال العلماء رضي اللّه عنهم: أول ما أوحى إليه ربه تبارك و تعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، و ذلك أول نبوّته، فأمره أن يقرأ في نفسه و لم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر ١، ٢] فبدأه بقوله: «اقرأ». و أرسله بيا أيها المدثر، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم إنذار قومه، ثم إنذار من حولهم من العرب قاطبة، ثم إنذار من بلغته الدعوة من الجنّ و الإنس إلى آخر الدهر، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال و لا جزية، و يؤمر بالكفّ و الصّبر و الصّفح، ثم أذن له في الهجرة، فلما استقرّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة، و أيّده اللّه تعالى بنصره و بعباده المؤمنين، و ألّف بين قلوبهم بعد العداوة و الإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار اللّه و كتيبة الإسلام: الأوس و الخزرج، من الأسود، و الأحمر، و بذلوا أنفسهم دونه، و قدّموا محبّته على محبّة الآباء و الأبناء و الأزواج، و كان أولى بهم من أنفسهم.
عادتهم العرب و اليهود.
روى البيهقيّ و غيره عن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه قال: لمّا قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه المدينة، و آوتهم الأنصار، رمتهم العرب و اليهود عن قوس واحدة و شمّروا لهم عن ساق العداوة و المحاربة، و صاحوا بهم من كل جانب حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السّلاح و لا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا اللّه عزّ و جل، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور ٥٥].