سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩ - ذكر وصول أبي سفيان إلى قرب المدينة و حذره من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
خرجتم لتمنعوا عيركم و رجالكم و أموالكم و قد نجّاها اللّه، فارجعوا، فأتاهم الخبر و هم بالجحفة، فقال أبو جهل بن هشام: و اللّه لا نرجع حتى نرد بدرا- و كان بدر موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام- فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزر، و نطعم الطّعام، و نسقي الخمر، و تعزف علينا القيان، و تسمع بنا العرب و بمسيرنا و جمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها.
و كره أهل الرأي المسير، و مشي بعضهم إلى بعض، و كان ممّن أبطأ بهم عن ذلك الحارث بن عامر، و أمية بن خلف، و عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و حكيم بن حزام، و أبو البختريّ، و عليّ بن أمية بن خلف، و العاص بن منبّه، حتى بكّتهم أبو جهل بالجبن، و أعانه عقبة بن أبي معيط، و النّضر بن الحارث بن كلدة. و أجمعوا المسير.
و قال الأخنس بن شريق- و كان حليف بني زهرة-: يا بني زهرة قد نجّى اللّه أموالكم، و خلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، و إنما نفرتم لتمنعوه و ماله، فاجعلوا بي جبنها و ارجعوا، فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هؤلاء، فرجعوا، و كانوا نحو المائة، و يقال: ثلاثمائة، فما شهدها زهريّ إلا رجلين هما عمّا مسلم بن شهاب الزّهريّ، و قتلا كافرين.
قال ابن سعد: و لحق قيس بن امرئ القيس أبا سفيان فأخبره مجيء قريش، فقال:
وا قوماه! هذا عمل عمرو بن هاشم، يعني أبا جهل، و اغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعا معظّما، و أرادت بنو هاشم الرّجوع فاشتدّ عليهم أبو جهل و قال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
قال ابن سعد: و كانت بنو عديّ بن كعب مع النّفير، فلما بلغوا ثنيّة لفت عدلوا في السّحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا بني عديّ، كيف رجعتم، لا في العير و لا في النفير؟ قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع و يقال: بل لقيهم بمر الظّهران، و مضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل و بطن الوادي، و نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمون بينهم و بين الماء رحلة، و غلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمىء المسلمون، و أصابهم ضيق شديد، و ألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس إليهم: تزعمون أنكم أولياء اللّه و فيكم رسول اللّه و قد غلبكم المشركون على الماء، و أنتم تصلّون مخبتين، فأنزل اللّه تعالى تلك الليلة مطرا كثيرا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، و كان على المسلمين طلّا طهّرهم اللّه به، و أذهب عنهم رجز الشيطان، و وطأ به الأرض، و صلّب الرمل، و ثبّت الأقدام، و مهّد به المنزل،