سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - ذكر أمره (صلّى اللّه عليه و سلم) بدفن من استشهد يوم أحد
قال ابن إسحاق: و قد احتمل الناس قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، و قال: «ردّوهم و ادفنوهم حيث صرعوا».
قال محمد بن عمر فلم يردّ أحد إلا رجل واحد أدركه المنادي قبل أن يدفن، و هو شمّاس بن عثمان المخزوميّ.
و روى الإمام أحمد و الأربعة عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهما: أنّ قتلى أحد حملوا من أماكنهم فنادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أن ردّوا القتلى إلى مضاجعهم [١].
و روى الإمام أحمد عنه قال: استشهد أبي بأحد فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهنّ فقلن:
اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل، فادفنه في مقبرة بني سلمة. قال: فجئته و أعوان لي، فبلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك، و هو جالس بأحد، فدعاني
فقال: «و الذي نفسي بيده لا يدفن إلّا أصحابه [بأحد]»
[٢].
و روى أبو داود و النّسائيّ عنه أيضا قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المشركين ليقاتلهم، و قال لي أبي عبد الله: يا جابر، لا عليك أن تكون في النّظّارة من أهل المدينة، حتى تعلم ما يصير أمرنا، و اللّه لو لا أنّي أترك بنات بعدي لأحببت أن تقتل بين يديّ. قال: فبينا أنا في النّظّارة إذ جاءت عمّتي بأبي و خالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة، إذ لحق رجل ينادي: ألا إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مضاجعها، حيث قتلوا.
و روى الحاكم و البيهقيّ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه و ابن مردويه عن خبّاب بن الأرتّ رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مرّ بمصعب بن عمير و هو مقتول على طريقه فوقف عليه، فدعا له ثم قرأ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب ٢٣] الآية. ثم قال: لقد رأيتك بمكة و ما بها أحد أرقّ حلّة و لا أحسن لمّة منك.
و روى البخاري: أن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أتي بطعام و كان صائما فقال:
قتل مصعب بن عمير، و هو خير من كفّن في برده، إن غطّي رأسه بدت رجلاه، و إن غطّي رجلاه بدا رأسه.
و روى الخمسة عن خبّاب رضي اللّه عنه قال: هاجرت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نبتغي رحمة اللّه، فوجب أجرنا على اللّه، فمنّا من قضى أو ذهب و لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة، و كنّا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، و إذا
[١] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٩٧.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٩٦.