سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - ذكر رجوع بعض المسلمين بعد توليهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
حومتهم، فما أفلت منهم رجل حتى قتل، و لقد ضاربهم قيس حتى قتل نفرا، فما قتلوه إلا بالرّماح، نظموه، و وجد به أربع عشرة طعنة، قد جافته، و عشر ضربات في بدنه.
و نادى الحباب بن المنذر: يا آل سلمة، فأقبلوا عليه عنقا واحدا: لبيك داعي اللّه.
و كان عباس بن عبادة بن نضلة- بالنون و الضاد المعجمة- و خارجة بن زيد، و أوس ابن أرقم، يرفعون أصواتهم، فيقول عباس: يا معشر المسلمين: اللّه و نبيّكم، هذا الذي أصابكم بمعصية نبيّكم، فوعدكم النصر ما صبرتم، ثم نزع مغفره و خلع درعه، و قال لخارجة بن زيد:
هل لك فيها؟ قال: لا، أنا أريد الذي تريد، فخالطوا القوم جميعا، و عبّاس يقول: ما عذرنا عند ربّنا إن أصيب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و منّا عين تطرف؟ فيقول خارجة: لا عذر لنا عند ربّنا و لا حجّة. فقتل سفيان بن عبد شمس عبّاسا، و أخذت خارجة بن زيد الرماح فجرح بضعة عشر جرحا، و أجهز عليه صفوان بن أميّة- و أسلم صفوان بعد ذلك- و قتل أوس بن أرقم رضي اللّه عنه.
و مر مالك بن الدّخشم على خارجة بن زيد [بن أبي زهير] و هو قاعد في حشوته و به ثلاثة عشر جرحا كلها خلصت إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل؟ فقال خارجة:
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد قتل فإنّ اللّه حيّ لا يموت، فقد بلّغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رسالة ربّه، فقاتل عن دينك!.
و مرّ على سعد بن الرّبيع و به اثنتا عشرة جراحة كلّها قد خلص إلى مقتل، فقال:
أعلمت أن محمدا قد قتل؟ فقال سعد: أشهد أن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) قد بلّغ رسالة ربّه، فقاتل عن دينك، فإن اللّه تعالى حيّ لا يموت! قالوا: و كان أول من عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد أن انهزم المسلمون و قول النّاس: قتل رسول اللّه- كما ذكر الزّهريّ- كعب بن مالك، قال: رأيت عيني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأشار إليّ أن اسكت، و دعا بلأمة كعب، و كانت صفراء أو بعضها، فلبسها و نزع لأمته فلبسها كعب، و قاتل كعب حتى جرح سبع عشرة جراحة، لشدة قتاله.
و روى الطّبراني بسند رجاله ثقات، عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه قال: لمّا كان يوم أحد و صرنا إلى الشّعب كنت أول من عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقلت:
هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأشار إليّ بيده أن اسكت، ثم ألبسني لأمته و لبس لأمتي، فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة- أو قال: بضع و عشرين جراحة- كلّ من يضربني يحسبني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما عرف المسلمون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أقبلوا عليه. و لما رأوه سالما