المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٩٨ - الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه- صلى اللّه عليه و سلم- و آله و قرابته و أهل بيته و ذريته
و قد روى ابن أبى شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير- أحد التابعين- بإسناد حسن قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير، ثلاثا، و لن يخزى اللّه أمة أنا أولها و المسيح آخرها» [١].
و روى أبو داود و الترمذى من حديث أبى ثعلبة- رفعه-: «تأتى أيام للعامل فيها أجر خمسين»، قيل: منهم أو منا يا رسول اللّه؟ قال: «بل منكم» [٢] و هو شاهد لحديث «مثل أمتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» لكن حديث «للعامل منهم أجر خمسين منكم» لا يدل على أفضلية غير الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، و أيضا:
الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله فى ذلك العمل.
فأما ما فاز به من شاهد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- من فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، و لا ريب أن من قاتل معه أو فى زمانه بأمره، أو أنفق شيئا من ماله بسببه، لا يعدله أحد فى الفضل بعده كائنا من كان، قال اللّه تعالى:
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا [٣]، و كذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه و بلغه لمن بعده.
فمحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، و قد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من لم يحصل له ذلك. و بهذا يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة.
ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف: الأول: المهاجرون، الثانى: الأنصار
[١] مرسل: أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه (٤/ ٢٠٦) و (٧/ ٤١٤).
[٢] أخرجه أبو داود (٤٣٤١) فى الملاحم، باب: الأمر و النهى، و الترمذى (٣٠٥٨) فى التفسير، باب: و من سورة المائدة، و ابن ماجه (٤٠٤١) فى الفتن، باب: قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ من حديث أبى ثعلبة الخشنى- رضى اللّه عنه-.
[٣] سورة الحديد: ١٠.