المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٥١ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و فى مغازى ابن عائذ، من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب قال:
البراق هى الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل. و على هذا فلا يكون ركوب البراق من خصائصه- صلى اللّه عليه و سلم-. نعم قيل: ركوبه مسرجا ملجما لم يرد لغيره من الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام-. فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟
أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا إنه لم يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد بركوبه إن قلنا إنه ركب قبله. و يحتمل أن يكون استصعابه تيها و زهوا بركوبه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أراد جبريل «أ بمحمد تستصعب» استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة و إنما تاه زهوا لمكان الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- منه، و لهذا قال: فارفض عرقا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبرئا من الاستصعاب، و عرق من خجل العتاب، و مثل هذا رجفة الجبل به حتى قال:
«اثبت فإنما عليك نبى و صديق و شهيدان» [١] فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب. و كذلك البراق لما قال له جبريل: اسكن فما ركبك أحد أكرم على اللّه منه استقر و خجل من ظاهر الاستصعاب و توجه الخطاب فعرق حتى غرق.
و وقع فى حديث حذيفة عند الإمام أحمد قال: أتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بالبراق فلم يزل على ظهره هو و جبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. و هذا لم يسنده حذيفة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد، و يحتمل أن يكون قوله: «هو و جبريل» متعلقا بمرافقته فى السير، لا فى الركوب. و قال ابن دحية معناه: و جبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: و إنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-، فلا مدخل لغيره فيها.
و قد تعقب الحافظ ابن حجر التأويل المذكور: بأن فى صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفا له، و فى رواية الحارث فى مسنده: أتى بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما. فهذا صريح فى ركوبه معه، و اللّه أعلم، انتهى.
[١] صحيح: و قد تقدم.