المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٩٧ - النوع الثانى فى لباسه- صلى اللّه عليه و سلم- و فراشه
و قال النووى: اختلف العلماء فى الثياب المعصفرة، و هى المصبوغة بعصفر فأباحها جميع العلماء من الصحابة و التابعين و من بعدهم، و به قال الإمام الشافعى و أبو حنيفة و مالك، و لكنه قال: غيرها أفضل منها. و فى رواية عنه أنه أجاز لبسها فى البيوت و أفنية الدور و كرهه فى المحافل و الأسواق و غيرها.
و قال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، و حملوا النهى على هذا، لأنه ثبت أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لبس حلة حمراء، و فى الصحيحين من حديث ابن عمر أنه- صلى اللّه عليه و سلم- صبغ بالصفرة، و حمل بعضهم النهى على المحرم بالحج أو العمرة.
و قد أتقن البيهقي المسألة فى «معرفة السنن» فقال: نهى الشافعى الرجل عن المزعفر، و أباح له المعصفر، قال الشافعى: و إنما رخصت فى المعصفر لأنى لم أجد أحدا يحكى عنه- صلى اللّه عليه و سلم- النهى عنه، إلا ما قال على- رضى اللّه عنه- أنه- صلى اللّه عليه و سلم- نهانى و لا أقول نهاكم. قال البيهقي: و قد جاءت أحاديث تدل على أن النهى على العموم، ثم ذكر حديث مسلم «أن هذه من لباس الكفار» و أحاديث غيرها، ثم قال: و لو بلغت هذه الأحاديث الشافعى لقال بها إن شاء اللّه تعالى، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعى أنه قال: إذا صح الحديث بخلاف قولى فاعملوا بالحديث و دعوا قولى. و فى رواية: مذهبى.
قال البيهقي: قال الشافعى: و أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر و آمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقي: فتبع السنة فى المزعفر فمتابعتها فى المعصفر أولى به، انتهى.
و رأيت فى فتاوى شيخنا العلامة قاسم أحد أئمة الحنفية و محققيها كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، و استدل له بما ذكرته، و بما فى حديث طاوس عند الحاكم و قال على شرطهما عن ابن عمرو بن العاص قال:
دخلت على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و على ثوب معصفر، قال: «من أين لك هذا؟» قال: صنعته لى أهلى فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «احرقه» [١] انتهى.
[١] قلت: هو عند أبى داود (٤٠٦٨) فى اللباس، باب: فى الحمرة، و لكن الحرق من فعل عبد اللّه بن عمرو لا من قوله- صلى اللّه عليه و سلم-، بل قال له لما علم بفعله: «أ فلا كسوته بعض أهلك».