المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٦ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قيل: إنما بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبا من الديار، و يؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر- رضى اللّه عنه- قال: البول قائما أحصن للدبر [١].
و قيل السبب فى ذلك ما روى الشافعى و أحمد: أن العرب كانت تستشفى لوجع الصلب بذلك فلعله كان به. و روى الحاكم و البيهقي من حديث أبى هريرة قال: إنما بال- صلى اللّه عليه و سلم- قائما لجرح كان بمأبضه [٢].
و المأبض: بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة.
فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، و لو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم و لكن ضعفه الدّارقطني و البيهقي، و الأظهر: أنه فعل ذلك لبيان الجواز، و كان أكثر أحواله البول من قعود.
و قيل إن البول عن قيام منسوخ و استدل عليه بحديث عائشة المتقدم.
و الصواب: أنه غير منسوخ، و الجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه فى البيوت، و أما غير البيوت فلم تطلع عليه، و قد حفظه حذيفة، و هو من كبار الصحابة، و هو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: «اللهم إنى أعوذ بك من الخبث و الخبائث» [٣]. رواه البخاري من حديث أنس. و الخبث:- بضم المعجمة و الموحدة- و مراده: ذكران الشياطين و إناثهم. و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يستعيذ إظهارا للعبودية، و يجهر بذلك للتعليم. و هل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدة لذلك لكونه حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثانى. و يقول
[١] ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ٢٥٧) و قال: رواه الطبرانى فى «الكبير»، و فيه الفضل بن المختار، و هو منكر الحديث يحدث بالأباطيل.
[٢] أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (١/ ٢٩٠)، و البيهقي فى «الكبرى» (١/ ١٠١).
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٤٢) فى الوضوء، باب: ما يقال عند الخلاء، و مسلم (٣٧٥) فى الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.