المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٥ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و أبعد عن مماسة البول. و قال حذيفة: أتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ [١]. رواه البخاري. و فى رواية غيره: بال قائما ففجع رجليه، أى: فرقهما و باعد ما بينهما.
و السباطة- بضم المهملة و بعدها موحدة- هى المزبلة و الكناسة تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، و تكون فى الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، و إضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة. و بهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهى الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا فى أصل الجدار، و هو صريح فى رواية أبى عوانة فى صحيحه. و قيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم فى ذلك بالتصريح أو غيره أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف فى مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين عن أنفسهم و أموالهم، و هذا و إن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته و مكارم أخلاقه- صلى اللّه عليه و سلم-. قال الحافظ ابن حجر: و أما مخالفته- صلى اللّه عليه و سلم- لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة و عن أعين النظار، فقد قيل فيه إنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان مشغولا بمصالح المسلمين، و لعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر، و استدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله لبيان الجواز. ثم هو فى البول أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، و الغرض من الإبعاد التستر و هو يحصل بإرخاء الذيل و الدنو من الساتر.
و روى الطبرانى من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال: يا حذيفة استرنى فذكر الحديث [٢]. و ظهر منه الحكمة فى إدنائه حذيفة فى تلك الحالة.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٢٢٤) فى الوضوء، باب: البول قائما و قاعدا، و مسلم (٢٧٣) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين.
[٢] انظر «فتح البارى» (١/ ٣٢٩).