المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٣ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
صنعت» قلت: غيبته، قال: «لعلك شربته» قلت: شربته، و فى رواية قلت:
جعلته فى أخفى مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: «لعلك شربته؟» قلت: شربته، فقال: «ويل لك من الناس و ويل للناس منك». و فى رواية فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «فما حملك على ذلك» قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: «ويل لك من الناس» [١].
و عند الدّارقطني من حديث أسماء بنت أبى بكر نحوه، و فيه: و لا تمسك النار، و فى كتاب الجوهر المكنون فى ذكر القبائل و البطون: أنه لما شرب- أى عبد اللّه بن الزبير- دمه تضوع فمه مسكا، و بقيت رائحته موجودة فى فمه إلى أن صلب- رضى اللّه عنه-. و أخرج الحسن بن سفيان فى مسنده و الحاكم و الدّارقطني و الطبرانى و أبو نعيم من حديث أبى مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح عن أم أيمن قالت: قام رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من الليل إلى فخارة فى جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل و أنا عطشانة فشربت ما فيها و أنا لا أشعر، فلما أصبح النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «يا أم أيمن قومى فأهريقى ما فى تلك الفخارة»، فقلت: قد و اللّه شربت ما فيها قالت: فضحك رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أما و اللّه لا يبجعن بطنك أبدا» [٢].
و عن ابن جريج قال: أخبرت أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان يبول فى قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة «أين البول الذي فى القدح» قالت: شربته قال: «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. و رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة.
و صحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين و قد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، و هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقينى.
و فى هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله و دمه- صلى اللّه عليه و سلم-. قال النووى
[١] أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٦٣٨).
[٢] أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٧٠)، و الطبرانى فى «الكبير» (٢٥/ ٨٩).