المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و الذي عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى كما نبهت عليه فى أوائل الكتاب، و يأتى تحقيقه- إن شاء اللّه تعالى- فى المقصد الرابع. و هو المراد بقوله: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [١] و قد قيل المراد بالشرح فى الآية ما يرجع إلى المعرفة و الطاعة. ثم ذكروا فى ذلك وجوها منها أنه لما بعث إلى الأحمر و الأسود من جنى و إنسى أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، و انفسح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق و لا يضجر بل هو حالتى البؤس و الفرج منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف. فإن قلت: لم قال: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ و لم يقل: قلبك. أجيب: بأن محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [٢] فإزالة تلك الوسوسة و إبدالها بدواعى الخير هى الشرح، لا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
و قد قال محمد بن على الترمذى: القلب محل العقل و المعرفة، و هو الذي يقصد الشيطان، يجىء إلى الصدر الذي هو حصن القلب فإذا دخل مسلكا أغار فيه و أنزل جنده فيه و بث فيه الهموم و الغموم و الحرص فيضيق القلب حينئذ، و لا يجد للطاعة لذة، و لا للإسلام حلاوة، و إذا طرد العدو فى الابتداء حصل الأمن و زال الضيق و انشرح الصدر و تيسر له القيام بأداء العبودية.
و هاهنا دقيقة: «قال اللّه تعالى حكاية عن موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [٣] و قال لنبينا محمد- صلى اللّه عليه و سلم-: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [٤] أعطى بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته٧ فقال وَ سِراجاً مُنِيراً [٥] فانظر إلى
[١] سورة الشرح: ١.
[٢] سورة الناس: ٥.
[٣] سورة طه: ٢٥.
[٤] سورة الشرح: ١.
[٥] سورة الأحزاب: ٤٦.