المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٦ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
الأحوال، و يرى نفسه فى ملكه لم يذق حلاوة سنته، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» [١]. و روينا عن سيدنا العارف الكبير أبى عبد اللّه القرشى أنه قال: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، و لا يبقى لك منك شيء. انتهى. فمن آثر هذا النبيّ الكريم على نفسه، كشف اللّه له عن حضرة قدسه، و من كان معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه.
و من علامات محبته- صلى اللّه عليه و سلم- نصر دينه بالقول و الفعل، و الذب عن شريعته، و التخلق بأخلاقه فى الجود و الإيثار، و الحلم و الصبر و التواضع و غيرها، مما ذكرته فى أخلاقه العظيمة، و تقدم فى كلام العارف ابن عطاء اللّه مزيد لذلك قريبا. فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، و من وجدها استلذ بالطاعات، و تحمل المشاق فى الدين، و آثر ذلك على أغراض الدنيا.
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلى حرقة الشجى، فتنوع المدعون فى الشهود، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٢]، فتأخر أكثرهم و ثبت أتباع الحبيب فى أفعاله و أقواله و أخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، بتزكية يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [٣]. فتأخر أكثر المحبين و قام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين و أموالهم ليست لهم، فهلموا إلى بيعة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ [٤]، فلما عرفوا عظمة ذلك المشترى و فضل الثمن و جلالة من أجرى على يده عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، و أن لها شأنا عظيما، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان
[١] صحيح: و قد تقدم.
[٢] سورة آل عمران: ٣١.
[٣] سورة المائدة: ٥٤.
[٤] سورة التوبة: ١١١.