المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٢ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و هذه المحبة تنشأ من مطالعة منة اللّه عليه من نعمه الظاهرة و الباطنة، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة. و من أعظم مطالعة منة اللّه على عبده منة تؤهله لمحبته و معرفته و متابعة حبيبه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أصل هذا نور يقذفه اللّه تعالى فى قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى فى نفسه و ما أهلت له من الكمالات و المحاسن، فعلت به همته، و قويت عزيمته، و انقشعت عنه ظلمات نفسه و طبعه، لأن النور و الظلمة لا يجتمعان إلا و يطرح أحدهما الآخر، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة و الأنس إلى الحبيب الأول.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * * * ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل فى الأرض يألفه الفتى * * * و حنينه أبدا لأول منزل
و بحسب هذا الاتباع توجب المحبة و المحبوبية معا، و لا يتم الأمر إلا بهما، فليس الشأن أن تحب اللّه، بل الشأن أن يحبك اللّه، و لا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا و باطنا، و صدقته خبرا، و أطعته أمرا، و أجبته دعوة، و آثرته طوعا، و فنيت عن حكم غيره بحكمه، و عن محبة غيره من الخلق و عن طاعة غيره بطاعته، و إن لم تكن كذلك فلا تتعن، فلست على شيء.
و تأمل قوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [١] أى الشأن فى أن اللّه تعالى يحبكم، لا فى أنكم تحبونه، هذا لا ينالونه إلا باتباع الحبيب.
و قال المحاسبى فى كتاب «القصد و الرجوع»: و علامة محبة العبد للّه عز و جل اتباع مرضاة اللّه، و التمسك بسنن رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، و وجد طعمه، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه و لسانه، فاستحلى اللسان ذكر اللّه تعالى و ما والاه، و أسرعت الجوارح إلى طاعة اللّه، فحينئذ يدخل حب الإيمان فى القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده فى اليوم الشديد الحر للظمآن الشديد عطشه، فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه و سرورا له، و قرة عين فى حقه و نعيما لروحه، يلتذ بها أعظم من اللذات الجسمانية، فلا يجد فى أوراد العبادة كلفة.
[١] سورة آل عمران: ٣١.