المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٦ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
فوجد لذاذة العيش و راحة التفويض، و لما رضى باللّه ربّا كان له الرضى من اللّه، و إذا كان له الرضى من اللّه أوجده اللّه حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، و ليعرف إحسانه عليه، و لما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد اللّه و أنواره عوفى قلبه من الأمراض و الأسقام، فكان سليم الإدراك فأدرك لذاذة الإيمان و حلاوته لصحة إدراكه و سلامة ذوقه. و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «و بالإسلام دينا» لأنه إذا رضى بالإسلام دينا فقد رضى به المولى، و لازم من رضى بمحمد نبيّا أن يكون له وليّا، و أن يتأدب بآدابه و يتخلق بأخلاقه زهدا فى الدنيا و خروجا عنها، و صفحا عن الجناة و عفوا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولا و فعلا، و أخذا و تركا، و حبّا و بغضا، فمن رضى باللّه استسلم له، و من رضى بالإسلام عمل له، و من رضى بمحمد- صلى اللّه عليه و سلم- تابعه، و لا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى باللّه ربّا و لا يرضى بالإسلام دينا، أو يرضى بالإسلام دينا و لا يرضى بمحمد نبيّا، و تلازم ذلك بين لا خفاء فيه. انتهى ملخصا.
[أقسام محبة اللّه تبارك و تعالى]
و اعلم أن محبة اللّه على قسمين: فرض و ندب.
فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر و الانتهاء عن المعاصى،
و الرضى بما يقدره، فمن وقع فى معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره فى محبة اللّه حيث قدم هوى نفسه، و التقصير يكون مع الاسترسال فى المباحات و الاستكثار منها فيورث الغافلة المقتضية للتوسع فى الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغافلة فيقع و هذا الثانى يسرع إلى الإقلاع مع الندم.
و الندب: أن يواظب على النوافل و يجتنب الوقوع فى الشبهات،
و المتصف بذلك فى عموم الأوقات و الأحوال نادر.
و فى البخاري من حديث أبى هريرة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: «ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضته عليه- و فى رواية: بشيء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه- و لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي