المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٥ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و بمحمد رسولا» [١]. قال فى المدارج: فأخبر أن للإيمان طعما، و أن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام و الشراب. و قد عبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عن إدراك حقيقة الإيمان و الإحسان و حصوله للقلب و مباشرته له بالذوق تارة و بالطعام و الشراب أخرى، و بوجدان الحلاوة تارة، كما قال «ذاق». و قال:
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» [٢]، و لما نهاهم عن الوصال قالوا:
إنك تواصل فقال: «إنى لست كهيئتكم، إنى أطعم و أسقى» [٣] و قد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام و شراب حسى للفم، و سيأتى تحقيق الكلام- إن شاء اللّه تعالى- فى الصوم، فى مقصد عباداته- عليه الصلاة و السلام-.
و المقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، و ذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-:
«حتى تذوقى عسيلته و يذوق عسيلتك» [٤].
و للإيمان طعم و حلاوة يتعلق بهما ذوق و وجد، و لا تزول الشبه و الشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه و يجد حلاوته.
و قال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء اللّه: يعنى فى هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغافلة و الهوى تتنعم بملذوذات المعانى كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، و إنما ذاق طعم الإيمان من رضى باللّه ربّا لأنه لما رضى باللّه ربّا استسلم له و انقاد لحكمه، و ألقى قياده إليه،
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٣٤) فى الإيمان، باب: الدليل على أن من رضى باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمد- صلى اللّه عليه و سلم- رسولا فهو مؤمن، من حديث العباس بن عبد المطلب- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: و قد تقدم قريبا.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٩٢٢) فى الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، و مسلم (١١٠٢) في الصيام، باب: النهى عن الوصال فى الصوم، من حديث عبد اللّه ابن مسعود- رضى اللّه عنه-.
[٤] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٢٦٣٩) فى الشهادات، باب: شهادة المختبى، و مسلم (١٤٣٣) فى النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.