المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٨ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
و صاحبه، فما عتب اللّه ذلك عليهم، و ذلك قبل بدر بأزيد من عام، فهذا كله يدل على أن فعل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى شأن الأسارى كان على تأويل و بصيرة على ما تقدم قبل ذلك مثله فلم ينكره اللّه عليه. لكن اللّه تعالى أراد لعظم أمر بدر و كثرة أسرارها- و اللّه تعالى أعلم- إظهار نعمته و تأكيد منته بتعريفهم ما كتبه فى اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضى عياض [١].
و أما قوله تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ [٢] الآية.
فالمعنى: لو لا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلا عن أن تركن إليهم. و هو صريح فى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- ما همّ بإجابتهم مع قوة الدواعى إليها، فالعصمة بتوفيق اللّه و حفظه، و لو قاربت لأذقناك ضعف الحياة و ضعف الممات، أى ضعف ما يعذب به فى الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ الخطير أخطر، و قد أعاذه اللّه من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه. و مما يعزى للحريرى مما يؤيد ذلك قوله:
أ نحويّ هذا العصر ما هى لفظة * * * جرت فى لسانى جرهم و ثمود
إذا استعملت فى صورة الجحد أثبتت * * * و إن أثبتت قامت مقام جحود
و فسر الأول و هو النفى المثبت بنحو فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ [٣] و الثانى و هو الثبوت المنفى بنحو قوله تعالى: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ قالوا: و هو- صلى اللّه عليه و سلم- ثبت قلبه و لم يركن.
و أما قوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
[١] فى «الشفاء» له (٢/ ١٥٩).
[٢] سورة الإسراء: ٧٤، ٧٥.
[٣] سورة البقرة: ٧١.