المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٢ - النوع الرابع فى التنويه به- صلى اللّه عليه و سلم- فى الكتب السالفة كالتوراة و الإنجيل بأنه صاحب الرسالة و التبجيل
أنفسهم لا من إخوتهم. و أما قوله: «نبيّا مثلك» و قد قال فى التوراة: لا يقوم فى بنى إسرائيل أحد مثل موسى، و فى ترجمة أخرى: مثل موسى لا يقوم فى بنى إسرائيل أبدا. فذهبت اليهود إلى أن هذا النبيّ الموعود به هو يوشع بن نون، و ذلك باطل، لأن يوشع لم يكن كفؤا لموسى٨، بل كان خادما له فى حياته، و مؤكدا لدعوته بعد وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- فإنه كفؤ موسى لأنه مماثله فى نصب الدعوة، و التحدى بالمعجزة، و شرع الأحكام، و إجراء النسخ على الشرائع السالفة.
و قوله تعالى: «أجعل كلامى فى فمه» فإنه واضح فى أن المقصود به محمد- صلى اللّه عليه و سلم- لأن معناه أوحى إليه بكلامى، فينطق به على نحو ما سمعه، و لا أنزل صحفا و لا ألواحا لأنه أمى، لا يحسن أن يقرأ المكتوب.
و فى الإنجيل- مما ذكره ابن طغربك فى «الدر المنظم» قال يوحنا فى إنجيله عن المسيح أنه قال: أنا أطلب من الأب أن يعطيكم «فار قليط» آخر يثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه.
و هو عند ابن ظفر بلفظ: إن أحببتمونى فاحافظوا وصيتي، و أنا أطلب إلى أبى فيعطيكم «فار قليط» [١] آخر يكون معكم الدهر كله.
قال: فهذا صريح بأن اللّه تعالى سيبعث إليهم من يقوم مقامه، فينوب عنه فى تبليغ رسالة ربه و سياسة خلقه منابه، و تكون شريعته باقية مخلدة أبدا، فهل هذا إلا محمد- صلى اللّه عليه و سلم-؟ انتهى. و لم يذكر فصول «الفارقليط»- كما أفاده ابن طغربك- سوى يوحنا، دون غيره من نقله الأناجيل. و قد اختلف النصارى فى تفسير «الفارقليط». فقيل هو: الحامد، و قيل: المخلص.
فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول يأتى لخلاص العالم، و ذلك من غرضنا، لأن كل نبى مخلص لأمته من الكفر، و يشهد له قول المسيح فى الإنجيل: إنى قد جئت لخلاص العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، و هو الذي سأل الأب أن يعطيهم «فارقليط» آخر، ففى مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتى آخر.
[١] كذا بالأصل، و قد شرحها المصنف بالحامد أو المخلص.