المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٤ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
فبيانه- صلى اللّه عليه و سلم- و نصحه رحمة، و دعاؤه و استغفاره رحمة، فرزق ذلك من قبله، و حرمه من رده. فإن قلت: كيف كان رحمة، و قد جاء بالسيف و استباحة الأموال؟ فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف، لمن استكبر و عاند، و لم يتفكر و لم يتدبر، و من أوصاف اللّه تعالى: الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة، و قد قال تعالى: وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [١] ثم قد يكون سببا للفساد.
و ثانيهما: أن كل نبى من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك اللّه المكذبين بالخسف و المسخ و الغرق، و قد أخر اللّه تعالى عذاب من كذب نبينا إلى الموت، أو إلى القيامة. لا يقال: إنه تعالى قال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [٢]، و قال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ [٣]، لأنا نقول:
تخصيص العام لا يقدح فيه.
و فى «الشفاء» للقاضى عياض: و حكى أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال لجبريل: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟» قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت، لثناء اللّه تعالى علىّ بقوله عز و جل: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [٤]. انتهى.
و ذكره السمرقندى: فى تفسيره بلفظ. و ذكر أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال لجبريل يقول اللّه تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [٥] فهل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، أصابنى من هذه الرحمة شيء، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك، لثناء اللّه تعالى علىّ فى قوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [٦].
و هذا يقتضى أن محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- أفضل من جبريل، و هو الذي عليه
[١] سورة ق: ٩.
[٢] سورة التوبة: ١٤.
[٣] سورة الأحزاب: ٧٣.
[٤] سورة التكوير: ٢٠، ٢١.
[٥] سورة الأنبياء: ١٠٧.
[٦] سورة التكوير: ٢٠.