المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩١ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
بجميع صفاته، فلا يصلح هذا الاسم بالحقيقة إلا له- صلى اللّه عليه و سلم- و للأقطاب من بعده بتبعيته لا بالحقيقة، و إن أطلق على غيره مجازا، و يرحم اللّه الأديب برهان الدين القيراطى فلقد أجاد حيث قال:
و دعتنى بالعبد يوما فقالوا * * * قد دعته بأشرف الأسماء
و لبعض أهل الإشارات: كأن اللّه تعالى قال له: يا محمد، قد أعطيتك نورا تنظر به جمالى، و سمعا تسمع به كلامى، يا محمد، إنى أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلى، يا محمد، أرسلتك إلى الناس شاهدا و مبشرا و نذيرا، و الشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد به، فأريك جنتى لتشاهد ما أعددت فيها لأوليائى، و أريك نارى لتشاهد ما أعددت فيها لأعدائى، ثم أشهدك جلالى، و أكشف لك جمالى لتعلم أنى منزه فى كمالى عن الشبيه و النظير، و الوزير و المشير، فرآه- صلى اللّه عليه و سلم- بالنور الذي قواه من غير إدراك و لا إحاطة فردا صمدا، لا فى شيء، و لا من شيء، و لا قائما بشيء، و لا على شيء، و لا مفتقرا إلى شيء، ليس كمثله شيء [١]، فلما كلمه شفاها، و شاهده كفاحا، فقيل له: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من سر لا يذاع و رمز لا يشاع، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان سرّا من سر، لم يقف عليه ملك مقرب و لا نبى مرسل، و أنشد لسان الحال:
بين المحبين سر ليس يفشيه * * * قول و لا قلم فى الكون يحكيه
سر يمازجه أنس يقابله * * * نور تحير فى بحر من التيه
و لما انتهى إلى العرش تمسك العرش بأذياله، و ناداه بلسان حاله: يا محمد، أنت فى صفاء وقتك من مقتك أشهدك جمال أحديته، و أطلعك على جلال صمديته، و أنا الظمان إليه اللهفان عليه المتحير فيه لا أدرى من أى وجه آتيه، جعلنى أعظم خلقه، فكنت أعظمهم منه هيبة، و أكثرهم فيه حيرة، و أشدهم منه خوفا. يا محمد، خلقنى فكنت أرعد لهيبة جلاله، فكتب على قائمتى، لا إله إلا اللّه فازددت لهيبة اسمه ارتعادا و ارتعاشا، فكتب محمد
[١] هذا يتنافى مع خبر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه لم ير ربه فى الحياة الدنيا.