المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧٩ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و فى رواية الطبرانى: فإذا هو برجل أشمط جالس على باب الجنة على كرسى، و عنده قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس، و قوم فى ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا و قد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا و قد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه و خرجوا و قد خلصت ألوانهم و صارت مثل ألوان البيض الوجوه، فقال: من هذا و من هؤلاء الذين فى ألوانهم شيء، و ما هذه الأنهار التي دخلوا فيها و قد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، و أما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، و أما هؤلاء النفر الذين فى ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، فتابوا فتاب اللّه عليهم، و أما الأنهار، فأولها رحمة، و الثانية نعمة اللّه، و الثالث و سقاهم ربهم شرابا طهورا.
و فى رواية البخاري فى الصلاة (ثم عرج بى حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) الحديث [١]. و المستوى: المصعد. و صريف الأقلام:- بفتح الصاد المهملة- تصويتها حالة الكتابة.
و المراد: ما تكتبه الملائكة من أقضية اللّه تعالى. و القدر المكتوب قديم، و إنما الكتابة حادثة، و ظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته، و جف القلم بما فيه قبل خلق السماوات و الأرض، و إنما هذه الكتابة فى صحف الملائكة كالفروع المنتسخة من الأصل، و فيها الإثبات و المحو على ما ذكر فى الآية. و ذكر ابن القيم: أن الأقلام اثنا عشر قلما، و أنها متفاوتة فى الرتب:
فأعلاها و أجلها قدرا، قلم القدر السابق، الذي كتب اللّه به مقادير الخلائق، كما فى سنن أبى داود، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «إن أول ما خلق اللّه تعالى القلم، قال له: اكتب، قال:
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٩) فى الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات فى الإسراء، من حديث أبى ذر- رضى اللّه عنه-.