المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٦ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
فأخبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بذلك فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» [١] أى لا يجرى فيها خلف و لا نزاع، فإن فى هذه الحكاية و نظائرها نظرا واضحا لقيام الكفر بالمحكى عنهم و الزيادة منهم، و قد أخبر- صلى اللّه عليه و سلم- أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصم اللّه منهم بالإسلام. و إنما النافع له فى مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين و صمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام و تاب. هذا هو محل النزاع و موضع الاستدلال لكل من المتنازعين.
و أما ذكر كافر أصلى بلغته دعوة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و امتنع من إجابته و حاربه بيده و لسانه فلا نزاع فى إهدار دمه قطعا، لا سيما و قد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، و تؤذى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و تحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا.
فقد تبين مما ساقه القاضى عياض أن أمره- صلى اللّه عليه و سلم- بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة، و لم ينقل أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قتل مسلما بسببه، و إنما كان ذلك فى أهل الكفر و العناد، فلو نقل فلا يتعين كونه حدّا، لاحتمال أن يكون قتله كفرا، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [٢] فأعلمنا أن ما وراء الشرك فى حيز إمكان المغفرة، و قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [٣] [٤].
فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس و حقوق اللّه تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق اللّه تعالى مبنية على المسامحة، و حقوق العباد مبنية على المشاحة. و هذا فى حق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و ليس لنا أن نسقطه لأنه لم يرد إذنه فى ذلك بخلافه هو- صلى اللّه عليه و سلم- فإن له ذلك.
[١] ذكره التقى الهندى فى «كنز العمال» (٣٥٤٩١)، و عزاه لابن عساكر.
[٢] سورة النساء: ٤٨.
[٣] سورة الزمر: ٥٣.
[٤] قلت: قد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية كتاب مستقلا فى هذا الموضوع سماه «الصارم المسلول على شاتم الرسول- صلى اللّه عليه و سلم-» أحاط فيه فى هذه المسألة من كل جوانبها، فمن أراد المزيد فعليه به.