المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٠٥ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
خليلا مع رفع الحجاب و كشف الغطاء و لو كان خليلا من وراء وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم- عليه الصلاة و السلام-. و فيه تنبيه ظاهر على أنه- صلى اللّه عليه و سلم- فاز برؤية الحق سبحانه و كشف له الغطاء حتى رأى الحق بعينى رأسه [١]، كما سيأتى البحث فى ذلك- إن شاء اللّه تعالى- فى المقصد الخامس.
و الملخص من هذا: أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم- عليه الصلاة و السلام- على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» فلم يشفع، ففيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء بل مع الكشف و العيان و قرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، و ذلك مقام محمد- صلى اللّه عليه و سلم- بالدليل و البرهان.
و مما أعطيه إبراهيم- عليه الصلاة و السلام- انفراده فى أهل الأرض بعبادة اللّه تعالى و توحيده، و الانتصاب للأصنام بالكسر و القسر، أعطى سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- كسرها بأسرها بمحضر من أولى نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية و مادة إلهية، اجتزأ فيها بالأنفاس عن الفاس، و ما عول على المعول، و لا عرض فى القول و لا تمرض من الصول بل قال جهرا بغير سر:
وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [٢].
و مما أعطيه الخليل- عليه الصلاة و السلام- بناء البيت الحرام، و لا خفاء أن البيت جسد و روحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء «أنه يمين الرب» [٣] كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود و الأيمان، و قد أعطى سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- أن قريشا لما بنت البيت بعد تهدمه و لم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم و المجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- فقالوا: هذا الأمين،
[١] قلت: جمهور السلف على استحالة رؤية اللّه عز و جل فى الحياة الدنيا، و أن الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- لم يره فى الحياة الدنيا، و إن كان سيراه هو و المؤمنون فى الآخرة- إن شاء اللّه-.
[٢] سورة الإسراء: ٨١.
[٣] ضعيف: أخرجه الخطيب، و ابن عساكر، كما فى: «ضعيف الجامع» (٢٧٧٢).