المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٤٠ - تعريف المعجزة بالدليل
محبته، و بذلوا مهجهم و أرواحهم فى نصرته، و نصبوا وجوههم لوقع السيوف فى إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، و لا أموال أفاضها عليهم، و لا عوض فى العاجل أطمعهم فى نيله يرجونه، أو ملك أو شرف فى الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه- صلى اللّه عليه و سلم- أن يجعل الغنى فقيرا، و الشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قبيل الاختيارالعقلى و التدبير الفكرى، لا و الذي بعثه بالحق، و سخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل فى شيء من ذلك، و إنما هو أمر إلهى، و شيء غالب سماوى، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، و لا يقدر عليه إلا من له الخلق و الأمر، تبارك اللّه رب العالمين.
و من دلائل نبوته- صلى اللّه عليه و سلم- أنه كان أميّا، لا يخط كتابا بيده و لا يقرؤه، ولد فى قوم أميين، و نشأ بين أظهرهم فى بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضين، و لم يخرج فى سفر ضاربا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة و الإنجيل و الأمم الماضية، و قد كان ذهبت معالم تلك الكتب، و درست و حرفت عن مواضعها، و لم يبق من المتمسكين بها و أهل المعرفة بصحيحها و سقيمها إلا القليل، ثم حاجّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين و جهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ لهم نقض ذلك. و هذا أدلّ شيء على أنه أمر جاءه من عند اللّه تعالى.
و من ذلك، القرآن العظيم، فقد تحدى بما فيه من الإعجاز، و دعاهم إلى معارضته و الإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه و عجزوا عن الإتيان بشيء منه.
قال بعض العلماء: إن الذي أورده- صلى اللّه عليه و سلم- على العرب من الكلام أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب فى الآية، و أوضح فى الدلالة من إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، لأنه أتى أهل البلاغة و أرباب الفصاحة و رؤساء البيان و المتقدمين فى اللسن بكلام مفهوم المعنى عندهم، فكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، و لا إبراء الأكمه و الأبرص و لا يتعاطون علمه، و قريش كانت تتعاطى الكلام