المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٩٤ - النوع الثانى فى لباسه- صلى اللّه عليه و سلم- و فراشه
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه، و ذلك من شكره على نعمه، و هو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة و الجمال الباطن بالشكر عليها، و لأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم، و تقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [١]. و قال فى أهل الجنة: وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (١١) وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً [٢].
و هو سبحانه كما يحب الجمال فى الأقوال و الأفعال و اللباس و الهيئة، يبغض القبيح من الأقوال و الأفعال و الهيئة، فيبغض القبيح و أهله و يحب الجمال و أهله. و لكن ضل فى هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلق اللّه تعالى جميل، فهو يحب كل ما خلقه، و نحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا، قالوا: و من رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة، و احتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [٣]. و هؤلاء قد عدموا الغيرة للّه من قلوبهم، و البغض فى اللّه، و المعاداة فيه، و إنكار المنكر و إقامة الحدود.
و الفريق الثانى، قالوا: قد ذم اللّه جمال الصور، و تمام القامة و الخلقة، فقال عن المنافقين وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [٤]. و فى صحيح مسلم مرفوعا «إن اللّه لا ينظر إلى صوركم و أموالكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم» [٥]، قالوا: و قد حرم اللّه علينا لباس الحرير و الذهب، و آنية الذهب و الفضة، و ذلك من أعظم جمال الدنيا. و قال تعالى: وَ لا تَمُدَّنَ
[١] سورة الأعراف: ٢٦.
[٢] سورة الإنسان: ١١، ١٢.
[٣] سورة السجدة: ٧.
[٤] سورة المنافقون: ٤.
[٥] صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٦٤) فى البر و الصلة، باب: تحريم ظلم الإنسان و خذله و احتقاره، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.