المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٥ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و أما ما ذكر من سخائه وجوده و كرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، و فى مقابلته الشح، و الشح من لوازم صفة النفس، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [١] فحكم بالفلاح لمن وقى الشح، و حكم بالفلاح أيضا لمن أنفق و بذل فقال: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [٢] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٣] و الفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. و ليس الشح من الآدمى بعجيب، لأنه جبلى فيه، و إنما العجب وجود السخاء فى الغريزة، و السخاء أتم و أكمل من الجود، و فى مقابلته البخل، و فى مقابلة السخاء الشح، و الجود و البخل يتطرق انتهى الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح و السخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخى جواد و ليس كل جواد سخيّا. و الجود يتطرق إليه الرياء، و يأتى به الإنسان متطلعا لغرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غير ذلك من الخلق و الثواب من اللّه تعالى، و لا يتطرق الرياء إلى السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه فى عوارف المعارف.
و قد كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس و أشجع الناس و أجود الناس [٤] رواه البخاري و مسلم من حديث أنس. و أجود: أفعل تفضيل، من الجود و هو إعطاء ما ينبغى لمن ينبغى، و معناه: هو أسخى الناس، و لما كانت نفسه أشرف النفوس و مزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال، و شكله أملح الأشكال، و خلقه أحسن الأخلاق، فلا شك يكون أجود الناس، و كيف لا و هو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
و اقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، لأنها أمهات
[١] سورة الحشر: ٩.
[٢] سورة البقرة: ٣، و سورة الأنفال: ٣، و سورة الحج: ٣٥، و سورة القصص: ٥٤، و سورة السجدة: ١٦، و سورة الشورى: ٣٨.
[٣] سورة البقرة: ٥.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٢٨٢٠) فى الجهاد و السير، باب: الشجاعة فى الحرب و الجبن، و مسلم (٢٣٠٧) فى الفضائل، باب: فى شجاعة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و تقدمه للحرب.