المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٨ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و اصبرى»، فقالت: إليك عنى فإنك خلو من مصيبتى، قال فجاوزها و مضى. فمر بها رجل فقال لها؛ ما قال لك رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-؟ قالت: ما عرفته. قال: إنه لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. قال فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا [١]. الحديث رواه البخاري. لكن فى حديث أبى موسى: أنه كان بوابا للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- لما جلس على القف [٢]. و جمع بينهما: بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- إذا لم يكن فى شغل من أهله و لا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه و بين الناس و يبرز لطالب الحاجة إليه. و فى حديث عمر حين استأذن له الأسود فى قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا، ففيه: أنه كان فى وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، و لو لا ذلك لاستأذن عمر بنفسه و لم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لى. لكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشى أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن.
و قد اختلف فى مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعى و جماعة:
ينبغى أن يكون للحاكم أن لا يتخذ حاجبا. و ذهب آخرون: إلى جوازه.
و حمل الأول على زمن سكون الناس و اجتماعهم على الخير و طواعيتهم للحاكم، و قال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم و يمنع المستطيل، و يدفع الشرير، و اللّه أعلم.
و أما ما روى من حيائه- صلى اللّه عليه و سلم-؛ فحسبك ما فى البخاري من حديث أبى سعيد: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أشد حياء من العذراء فى خدرها [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٢٨٣) فى الجنائز، باب: زيارة القبور، و مسلم (٩٢٦) فى الجنائز، باب: فى الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٦٩٣) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشى العدوى- رضى اللّه عنه-، و مسلم (٢٤٠٣) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان- رضى اللّه عنه-. وقف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٦٢) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٢٠) فى الفضائل، باب: كثرة حيائه- صلى اللّه عليه و سلم-.