المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٧ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و بها ينجو من الشر» [١]. و قال: «لا تسبوا الدهر»، رواه البخاري من حديث أبى هريرة بلفظ: «و لا تقولوا خيبة الدهر فإن اللّه هو الدهر» [٢]. و فى لفظ له: «يسب بنو آدم الدهر و أنا الدهر، بيدى الليل و النهار» و عند مسلم فى حديث بلفظ «لا يسب أحدكم الدهر». و محصل ما قيل فى تأويله، ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بقوله: إن اللّه هو الدهر، أى: المدبر للأمور.
ثانيها: أنه على حذف مضاف. أى: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. و لذلك عقبه بقوله فى رواية البخاري:
بيدى الليل و النهار.
و قال المحققون: من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، و من هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره ذلك لتشبهه بأهل الكفر فى الإطلاق. و ما خير- صلى اللّه عليه و سلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه [٣]. رواه البخاري. أى بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، و أبهم «فاعل» خير ليكون أعم، من قبل اللّه أو من قبل المخلوقين. و قوله: إلا اختار أيسرهما و قوله: ما لم يكن إثما:
أى لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد. و فى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن للّه فيه سخط.
و وقوع التخيير بين ما فيه إثم و ما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح.
و من تواضعه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بامرأة و هى تبكى عند قبر، فقال: «اتقى اللّه
[١] هو تتمة ما قبله.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٦١٨١ و ٦١٨٢) فى الأدب، باب: لا تسبوا الدهر، و مسلم (٢٢٤٦) فى الألفاظ من الأدب، باب: النهى عن سب الدهر.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٦٠) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٢٧) فى الفضائل، باب: مباعدته- صلى اللّه عليه و سلم- للآثام و اختياره من المباح أسهله، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.