المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٥ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
«قد علمت أنكم تكفونى و لكنى أكره أن أتميز عليكم، فإن اللّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. و لم أر هذا لغير الطبرى بعد التتبع نعم رأيت فى جزء تمثال النعل الشريف لأبى اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنت مع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى الطواف فانقطعت شسعه فقلت: يا رسول اللّه ناولنى أصلحه، فقال: «أثرة و لا أحب الأثرة» [١] و الأثرة: بفتح الهمزة و الثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، و الأثرة: الاستئثار و هو الانفراد بالشىء. قال: و كأنه كره- صلى اللّه عليه و سلم- أن ينفرد أحد بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم و يكون له- صلى اللّه عليه و سلم- ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك- صلى اللّه عليه و سلم- لتواضعه و عدم ترفعه على من يصحبه.
و يؤيده ما روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أراد أن يمتهن نفسه فى شيء فقالوا: نحن نكفيك يا رسول اللّه، قال: «قد علمت أنكم تكفونى و لكنى أكره أن أتميز عليكم فإن اللّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. ثم رأيت شيخنا فى الأحاديث المشتهرة حكى ذلك و اللّه الموفق.
و عن أبى قتادة: و قد وفد النجاشى، فقام النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، و أنا أحب أن أكافئهم» [٢] ذكره فى الشفاء.
و فى البخاري: عن أنس: كان الرجل يجعل للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- النخلات حتى افتتح قريظة و النضير، و إن أهلى أمرونى أن آتى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب فى عنقى تقول: كلا و الذي لا إله غيره لا نعطيكم و قد
[١] ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ٢٤٤) و قال: رواه أبو يعلى و الطبرانى فى الكبير و الأوسط، و فيه عاصم بن عبيد اللّه و هو ضعيف، و فى (٩/ ٢١) و قال: رواه البزار و فيه من لم أعرفه.
[٢] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٢/ ٣٠٧).