المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قال النووى: قيل إنما أعطاه قميصه و كفنه فيه تطييبا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيّا صالحا و قد سأل ذلك فأجابه إليه، و قيل مكافأة لعبد اللّه المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا. و فى ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، و قابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنا و صلى عليه و استغفر له، قال اللّه تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [١].
و من ذلك أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. و عفا عن اليهودية التي سمته فى الشاة على الصحيح من الرواية. و اللّه تعالى يرحم القائل:
و ما الفضل إلا خاتم أنت فصه * * * و عفوك نقش الفص فاختم به عذرى
و من ذلك إشفاقه- صلى اللّه عليه و سلم- على أهل الكبائر من أمته، و أمره إياهم بالستر، فقال: «من بلى بهذه القاذورات» يعنى المحرمات «فليستتر» [٢].
و أمر أمته أن يستغفروا للمحدود و يترحموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه و لعنوه، فقال: «قولوا اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» [٣] و قال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: «لا تلعنوه فإنه يحب اللّه و رسوله» [٤]. فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، و إنما ينظر اللّه إلى القلوب، طهر اللّه قلوبنا و غفر عظيم ذنوبنا. و من ذلك ما رواه الدّارقطني من حديث عائشة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أنه كان يصغى إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها [٥].
[١] سورة القلم: ٤.
[٢] ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (٢/ ٨٢٥) عن زيد بن أسلم مرسلا.
[٣] صحيح: أخرجه أبو داود (٤٤٧٧) فى الحدود، باب: الحد فى الخمر، و أحمد فى «المسند» (٢/ ٢٩٩) من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٨٠) فى الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر و إنه ليس بخارج من الملة، من حديث عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه-.
[٥] إسناده ضعيف: أخرجه الدّارقطني (١/ ٦٦) بسند فيه عبد اللّه بن سعيد المقبرى، ضعيف.