المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٦ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و اعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، و قد جبل اللّه تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، و لهذا شق عليه- صلى اللّه عليه و سلم- نسبتهم له إلى الجور فى القسمة، لكنه٧ حلم على القائل و صبر، لما علم من جزيل ثواب الصابر و أن اللّه يأجره بغير حساب. و صبره- صلى اللّه عليه و سلم- على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، و أما إذا كان اللّه فإنه يمتثل فيه أمر اللّه تعالى من الشدة كما قال له تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ [١] و قد وقع له- صلى اللّه عليه و سلم- أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان فى أمر اللّه، و أظهر الغضب فيها ليكون أوكد فى الزجر. فصبره و عفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قد روى الطبرانى و ابن حبان و الحاكم و البيهقي عن زيد بن سعنة- بالمهملة و النون المفتوحتين، كما قيده به عبد الغنى و ذكره الدّارقطني: و بالمثناة التحتية، ثبت فى الشفاء و صحح عليه مؤلفه بخطه، و هو الذي ذكره ابن إسحاق، و هو كما قاله النووى: أجل أحبار اليهود الذين أسلموا- أنه قال:
لم يبق من علامات النبوة شيء إلا و قد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، و لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه و جهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه و ردائه، و نظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت:
أ لا تقضينى يا محمد حقى، فو اللّه إنكم يا بنى عبد المطلب مطل، فقال عمر:
أى عدو اللّه، أ تقول لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ما أسمع فو اللّه لو لا ما أحاذر فوته لضربت بسيفى رأسك، و رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ينظر إلى عمر فى سكون و تؤدة و تبسم ثم قال: «أنا و هو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء، و تأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه و زده عشرين صاعا مكان ما رعته»، ففعل، فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد
[١] سورة التوبة: ٧٣.