المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٥ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قاتلوا دونه أهليهم و آباءهم و أبناءهم، و اختاروا على أنفسهم، و هجروا فى رضاه أوطانهم و أحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، و لا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، و لما كان عقله- صلى اللّه عليه و سلم- أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شيء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم فى الحلم و العفو مع القدرة و صبره- صلى اللّه عليه و سلم- على ما يكره، و حسبك صبره و عفوه٧ عن الكافرين به المقاتلين المحاربين له فى أشد ما نالوه به من الجراح بحيث كسرت رباعيته، و شج وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك على أصحابه شديدا، و قالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنى لم أبعث لعانا، و لكنى بعثت داعيا و رحمة، اللهم اغفر لقومى، أو اهد قومى فإنهم لا يعلمون» [١].
قال ابن حبان: أى اغفر لهم ذنبهم فى شج وجهى لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقا، إذ لو كان كذلك لأجيب، و لو أجيب لأسلموا كلهم.
كذا قال- ;-. و قد روى عن عمر أنه قال فى بعض كلامه: بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [٢] الآية. و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك و أدمى وجهك و كسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون».
و هاهنا دقيقة؛ و هى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لما شج عفا و قال «اللهم اهد قومى»، و حين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: «اللهم املأ بطونهم نارا» [٣] فتحمل الشجة الحاصلة فى وجه جسده الشريف، و ما تحمل الشجة الحاصلة فى وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حتى خالقه على حقه.
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٩٩) فى البر و الصلة، باب: النهى عن لعن الدواب و غيرها، مقتصرا على طرفه الأول، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة نوح: ٢٦.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٦٢٧) فى المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، من حديث على- رضى اللّه عنه-.