الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - أقصر الطرق للهداية و السعادة
التأمّل و الهدوء و يدعو إلى محاذرة التعجّل و التسرّع.
الآية تقول أوّلا: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ ثمّ: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً. و لنا في ذلك هدفان: الأوّل: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ حيث تنطلقون نهارا في الكسب و العمل و المعاش مستثمرين العطايا الإلهية، و تنعمون ليلا بالراحة و الهدوء و الاستقرار. و الهدف الثّاني فهو: وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ لكي لا تبقى شبهة لأحد وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
بين المفسّرين كلام كثير حول المقصود من «آية الليل» و «آية النهار» و فيما إذا كان ذلك كناية عن نفس الليل و النهار، أم أنّ المقصود من «آية الليل» القمر، و من «آية النهار» الشمس [١].
و لكن التدقيق في الآية يكشف عن رجاحة التّفسير الأوّل، خصوصا و أنّ المقصود من قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ هو أنّ كل واحد منهما علامة على إثبات وجود اللّه، أمّا محو آية الليل فهو تمزيق ظلمة الليل و حجب الظلمة فيه بواسطة نور النهار، الذي يكشف ما كان مستورا بظلمة الليل.
و إذا كانت آيات أخرى في القرآن [آية (٥) من سورة يونس] تفيد أنّ الغاية من خلق الشمس و القمر هو تنظيم الحساب إلى سنين و أشهر، فليس ثمّة تنافي بين الآيتين، إذ من الممكن أن تنتظم حياة الإنسان و حسابه على أساس الليل و النهار، و على أساس الشمس و القمر من دون أي تناف بين الإثنين.
في نهج البلاغة نقرأ للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، قوله: «و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها، و قمرها آية ممحوة من ليلها، و أجراهما في مناقل مجراهما، و قدّر سيرهما في مدارج درجهما، ليميز بين الليل و النهار بهما، و ليعلم عدد السنين و الحساب بمقاديرهما» [٢].
[١]- في الحالة الأولى تكون الإضافة «إضافية بيانية» أما في الثّالثة فتكون الإضافة «إضافة اختصاصية».
[٢]- نهج البلاغة، خطبة الأشباح، رقم (٩١).