الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢ - التّفسير
الأوّل: أنّ اللّه تعالى يريد أن يبيّن مواهبه و نعمه الشاملة للبشر و الحيوان و الكائنات الحية الأخرى التي لا يملك الإنسان أمر تغذيتها و لا يستطيعه.
الثّاني: أنّ اللّه تعالى يريد تذكير الإنسان بأنّه سبحانه هو الرازق، و قد تكفل بإيصال رزقه إلى كل محتاج له سواء كان بواسطة الإنسان أو بواسطة أخرى [١].
و يبدو لنا أنّ التّفسير الأوّل أكثر صوابا، و يعزز ذلك الحديث المروي في تفسير عليّ بن إبراهيم، حيث يتناول معنى وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ على أنّه:
(لكل ضرب من الحيوان قدّرنا له مقدرا) [٢].
أمّا آخر آية من الآيات المبحوثة، فتحوي جوابا لسؤال طالما تردد على أذهان كثير من الناس، و هو: لماذا لم تهيأ النعم و الأرزاق بما لا يحتاج إلى سعي و كدح؟! فتنطق الحكمة الإلهية جوابا: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. فليست قدرتنا محدودة حتى نخاف نفاذ ما نملك، و إنّما منبع و مخزن و أصل كل شيء تحت أيدينا، و ليس من الصعب علينا خلق أي شيء و بأي وقت يكون، و لكنّ الحكمة اقتضت أن يكون كل شيء في هذا الوجود خاضعا لحساب دقيق، حتى الأرزاق إنّما تنزل إليكم بقدر.
و نقرأ في مكان آخر من القرآن: وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [٣].
[١]- بناء على التّفسير الأوّل يكون الاسم الموصول «من» في «من لستم له برازقين» عطفا على ضمير «لكم» و بناء على التّفسير الثّاني عطفا على «معايش»، و بعض المفسّرين اعترض على التّفسير الأوّل بأنّ الاسم الصريح المجرور لا يعطف على ضمير مجرور إلّا بإعادة ذكر حرف الجر، أيّ .. دخول اللام على «من» هنا واجبا، و ثمة اعتراض آخر يقول: كيف يطلق الاسم الموصول «من» على غير العاقل؟
و الاعتراضان مردودان، لأنّ عدم تكرار حرف الجر جار على لسان العرب، و كذا الحال بالنسبة لاستعمال «من» لغير العاقل.
بل التّفسير الثّاني يواجهه ما لسعة المفهوم «للمعايش»، حيث يشمل جميع وسائل الحياة حتى الحيوانات الداجنة و ما شابهها .. و على هذا الأساس رجحنا التّفسير الأوّل.
[٢]- تفسير نور الثّقلين، ج ٣، ص ٦.
[٣]- الشورى، ٢٧.