مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٨٣ - المرتبة الثانية في ذكر رجال سليمان بن صرد و خروجه و مقتله
و كان المختار قد بعث إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: أمّا بعد فإنّي حبست مظلوما و ظنّ بي الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب فيّ [رحمك اللّه] إلى هذين الظالمين، و هما عبد اللّه بن يزيد، و إبراهيم بن محمّد كتابا عسى اللّه أن يخلّصني من أيديهما بلطفك و منّك و السلام عليك.
فكتب إليهما ابن عمر: أمّا بعد، فقد علمتما الّذي بينى و بين المختار من الصهر، و الّذي بيني و بينكما من الودّ، فأقسمت عليكما لمّا خلّيتما سبيله، حين تنظران في كتابي هذا و السلام عليكما و رحمة اللّه و بركاته. فلمّا قرأ الكتاب، طلبا من المختار كفلاء فأتاه جماعة من أشراف الكوفة، فاختارا منهم عشرة ضمنوه، و حلّفاه أن لا يخرج عليهما، فإن هو خرج فعليه ألف بدنة [١] ينحرها لدى رتاج [٢] الكعبة، و مماليكه كلّهم أحرار، فخرج و جاء داره.
قال حميد بن مسلم: سمعت المختار يقول: قاتلهم اللّه ما أجهلهم و أحمقهم حيث يرون أنّي أفي لهم بأيمانهم هذه، أمّا حلفي باللّه فإنّه ينبغي إذا حلفت يمينا و رأيت ما هو أولى منها أن أتركها و أعمل الأولى و اكفّر عن يميني، و خروجي خير من كفّي عنهم، و أمّا هدي [٣] ألف بدنة فهو أهون عليّ من بصقة، و ما يهوّلني ثمن ألف بدنة، و أمّا عتق مماليكي فو اللّه لوددت أنّه استتبّ لي أمري من أخذ الثّأر، ثمّ لم أملك مملوكا أبدا.
و لمّا استقرّ في داره، اختلفت الشيعة إليه، و اجتمعت عليه، و اتّفقوا على الرّضا به، و كان قد بويع له و هو في السجن، و لم يزل يكثرون و أمرهم يقوى و يشتدّ حتى عزل عبد اللّه بن الزبير الواليين من قبله، و هما عبد اللّه بن زيد و إبراهيم بن محمّد بن طلحة المذكورين، و بعث عبد اللّه بن مطيع واليا على الكوفة، و الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة على البصرة، فدخل ابن مطيع إليها، و بعث المختار إلى أصحابه فجمعهم
[١]- البدنة: الناقة او البقرة المسمّنة.
[٢]- الرتاج: الباب العظيم؛ و قيل: هو الباب المغلق. (لسان العرب ج ٢ ص ٢٧٩).
[٣]- الهدي: هو ما يهدى الى البيت الحرام من النعم لتنحر، فاطلق على جميع الابل و إن لم تكن هديا.
(النهاية لابن الأثير ج ٥ ص ٢٥٤).