مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٢٣ - خاتمة
على أنّك لو تأمّلت حقّ التأمّل علمت أنّه (عليه السّلام) فدى نفسه المقدّسة دين جدّه، و لم يتزلزل أركان دولة بني اميّة إلّا بعد شهادته (عليه السّلام)، و لم يظهر للناس كفرهم و ضلالتهم (و شقاوتهم) إلّا عند فوزه بسعادته، و لو كان يسالمهم و يوادعهم كان يقوى سلطانهم، و يشتبه على الناس أمرهم، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة، و آثار الهداية مندرسة، مع أنّه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنّه هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكّة، و كذا خرج من مكّة بعد ما غلب على ظنّه أنّهم يريدون غيلته و قتله، حتّى لم يتيسّر له- فداه نفسي و أبي و امّي و ولدي- أن يتمّ حجّة، فتحلّل و خرج منها خائفا يترقّب، و قد كانوا لعنهم اللّه ضيّقوا عليه جميع الأقطار و لم يتركوا له موضعا للفرار.
و لقد رأيت في بعض الكتاب المعتبرة أنّ يزيد لعنه اللّه أنفذ عمرو بن سعيد ابن العاص في عسكر عظيم و ولّاه أمر الموسم و أمّره على الحاجّ كلّهم، و كان قد أوصاه بقبض الحسين (عليه السّلام) سرّا و إن لم يتمكّن منه بقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني اميّة و أمرهم بقتل الحسين (عليه السّلام) على أيّ حال اتّفق، فلمّا علم الحسين (عليه السّلام) بذلك حلّ من إحرام الحجّ و جعلها عمرة مفردة.
و قد روي بأسانيد أنّه (عليه السّلام) لمّا منعه محمّد بن الحنفيّة عن الخروج إلى الكوفة، قال: و اللّه يا أخي لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض لا ستخرجوني منه حتى يقتلوني.
بل الظاهر أنّه (عليه السّلام) لو كان يسالمهم و يبايعهم لا يتركونه لشدّة عداوتهم، و كثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكلّ حيلة، و يدفعونه بكلّ وسيلة، و إنّما كانوا يعرضون البيعة عليه أوّلا لعلمهم بأنّه (عليه السّلام) لا يوافقهم في ذلك، أ لا ترى إلى مروان لعنه اللّه كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، و كان عبيد اللّه بن زياد عليه لعائن اللّه إلى يوم التناد، يقول: اعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثمّ نرى فيه رأينا، أ لا ترى كيف أمّنوا مسلما رضي اللّه عنه ثمّ قتلوه.
فأمّا معاوية لعنه اللّه فإنّه مع شدّة عداوته و بغضه لأهل البيت (عليهم السّلام) كان ذا دهاء و نكراء و حزم، و كان يعلم أنّ قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، و ذهاب