مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٤٠ - الكتب
رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال: و ورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر بن سعد: أن حل بين الحسين و أصحابه و بين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقيّ الزكيّ عثمان بن عفّان، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة و حالوا بين الحسين (عليه السّلام) و أصحابه و بين الماء و منعوهم أن يسقوا [١] منه قطرة، و ذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيّام.
و نادى عبد اللّه بن الحصين الأزديّ، و كان عداده في بجيلة، (ف) قال بأعلى صوته: يا حسين أ لا تنظر (ون) إلى الماء كأنّه كبد السماء و اللّه لا تذوقوا منه قطرة واحدة حتّى تموتوا عطشا، فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهمّ اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا.
قال حميد بن مسلم: و اللّه لعدته في مرضه بعد ذلك فو اللّه الذي لا إله غيره لقد رأيته يشرب الماء حتّى يبغر [٢]، ثم يقيئه و يصيح العطش [العطش]، ثم يعود و يشرب حتّى يبغر ثم يقيئه و يتلظّى عطشا، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ نفسه.
و لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى و مددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد أنّني اريد أن ألقاك، (و أجتمع معك)، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا، ثم رجع عمر إلى مكانه، و كتب إلى عبيد اللّه بن زياد:
«أمّا بعد: فإنّ اللّه قد أطفأ النائرة، و جمع الكلمة، و أصالح أمر الامّة، هذا حسين قد أعطاني (عهدا) أن يرجع إلى المكان الذي [هو] منه أتى، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين، له مالهم و عليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده [٣]، فيرى فيما بينه و بينه (فيرى) رأيه، و في هذا لك رضى و للامة صلاح.
فلمّا قرأ عبيد اللّه الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه
[١]- في المصدر: يستقوا.
[٢]- يقال: بغر الرجل: إذا شرب فلم يرو.
[٣]- قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص ٢٤٨: و قد وقع في بعض النسخ أن الحسين (عليه السّلام) قال لعمر بن سعد: دعوني: أمضي إلى المدينة أو إلى يزيد فأضع يدي في يده و لا يصح ذلك عنه فإن عاقبة بن سمعان قال: صحبت الحسين من المدينة إلى العراق و لم أزل معه إلى أن قتل، و اللّه ما سمعته قال ذلك.