موسوعة الاذان - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٥٧
بلى، قد جرى الحال على هذا المنوال في العهد العباسي من النزاع والتخاصم بين مدرسة أهل البيت والجمهور في التثويب والحيعلة الثالثة، بل تطوّر الأمر من كونه خلافاً فقهياً بين الصحابة إلى كونه ميزاناً سياسياً توزن به الأطراف، فكانت الحيعلة الثالثة والتثويب هما المعيار في الموازنة، وكلّ واحدة من الدول الشيعية والسنية المتعاقبة على البلدان الإسلامية كانت تُعرَف بهذا أو ذاك، وكان هذا يعتمد الحيعلة والآخر يعتمد التثويب.
إذن، نَهجُ الخلفاء الثلاثة في عهدهم ومَن بعدهم دورَ الحكومتين الأموية والعباسية كان وراء ترسيخ قضية التثويب حديثيّاً وفقهيّاً، واعتباره أصلاً شرعياً يجب الأخذ به.
إذ عرفت سابقاً أنّ عمر بن الخطاب أمر مؤذنه أن يجعلها في أذانه، ثم نُسب ذلك إلى رسول الله بأنّه ٠ قال لبلال: «اجعلها في أذانك».
فهم ينسبون هذه المقولة إلى رسول الله كي يجعلوها شرعية، في حين لو كان التثويب ثابتاً في أذان بلال لكان في الأذان الأول الذي يُنادى به في الليل، وهو غير الزامي ولا شرعي حسب أصولهم ورواياتهم، بل هو إعلامي تنبيهي فقط، ومعناه يمكن أن يُنادى به ويمكن أن لا ينادى به، بخلاف الأذان والإقامة الشرعيَّين واللّذَينِ لا يُشرّعان لغير الصلوات الخمس[٦٣٤].
ومن المعلوم أنّ النداء بليل ليس بأحد تلك الأقسام الخمسة على وجه اليقين، إلّا أن نقول بأنّهم يعنون بكونه سنّة أنّه من سنّة الخلفاء، وهو ما عنوه في صلاة التراويح، قال الكاساني في (بدائع الصنائع):
[٦٣٤] المجموع ٣ : ٧٧.