دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٨٨ - امتناع أخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم
و لا يكاد يمكن مع القطع به (١) جعل حكم آخر مثله أو ضده كما لا يخفى فافهم (٢).
إن قلت (٣): كيف يمكن ذلك و هل هو إلّا إنه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو الضدين؟
و لا جعل وجوب الاحتياط على المكلف لا مانع من جعل أصل مرخص في الارتكاب، أو أمارة كذلك- مخطئة كانت أم مصيبة- إلى الحكم الواقعي الفعلي بهذا المعنى، فلا منافاة بين هذا الفعلي و بين جعل حكم آخر مثله أو ضده، و بهذا المعنى من الفعلية جمع المصنف بين الحكم الواقعي و الظاهري كما سيجيء إن شاء الله تعالى فانتظر.
و يمكن أن يكون قوله: «و مع ذلك ...» الخ إشارة إلى دفع ما ربما يتوهم من أن الحكم الذي تعلق به الظن إذا كان فعليا؛ بحيث لو علم به لتنجز، فلما ذا لا يرفع الحاكم عذر المكلف برفع جهله تكوينا لو أمكن كي يأتي به و يمتثله، أو يجعل له الاحتياط فيما أمكن كي يدركه و لا يفوته؟
و حاصل الدفع: أنه لا يجب على الحاكم رفع ذلك الجهل، مع أن الحكم فعلي لا نقص فيه سوى أنه لم يتعلق به العلم ليتنجز؛ بل يجوز للحاكم جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة، و إلى خلافه أخرى؛ و ذلك لحكمة مقتضية للجعل هي أهم من درك الواقع.
(١) أي: بالحكم الفعلي يعني: لا يمكن مع القطع جعل حكم آخر مثله أو ضده.
و الوجه في عدم إمكان جعل حكم آخر، مع تعلق القطع بالحكم هو: عدم كون رتبة الحكم الظاهري محفوظة مع القطع؛ لانكشاف الواقع به فجعل حكم آخر معه مستلزم لاجتماع المثلين أو الضدين. بخلاف الظن، فإن رتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، فجعله حينئذ غير مستلزم لاجتماع الضدين أو المثلين؛ لتعدد رتبتهما باختلاف الفعلية فيهما.
(٢) لعله إشارة إلى عدم صحة فعلية الحكم بالمعنى الأول، أو إشارة إلى عدم إجدائها- بعد تسليمها- في دفع التنافي المذكور، نظرا إلى نظر العرف السطحي؛ و إن كان مجديا في دفع التنافي عقلا، لاختلاف رتبتهما بحسب النظر العقلي الدقي.
(٣) يعني: كيف يمكن أن يكون الحكم الواقعي فعليا مع جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة و إلى ضده أخرى؟ و هل هو إلا مستلزم لاجتماع المثلين أو الضدين؟ المشار إليه بقوله: «ذلك» هو جعل حكم آخر يعني: كيف يمكن جعل حكم آخر يقتضيه أصل أو أمارة مؤدية إلى الحكم المظنون تارة و إلى ضده أخرى؟ و ليس هذا إلا مستلزما لاجتماع