دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٧ - دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجرّي للعقاب
وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (*)، و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة كيلا يكون للناس على الله حجة، بل كان له حجة بالغة.
و لا يخفى (١): أن في الآيات و الروايات، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان
من ساءت سريرته».
و يمكن أن يقال: بعدم ترتب الفائدة الثانية على بعث الرسل؛ إذ المفروض: كون الشقاوة ذاتية، و الذاتيات ضرورية الثبوت للذات، فيمتنع زوال الخبث الذاتي بإرسال الرسل، فتنحصر فائدة البعث في انتفاع المؤمن، و تلغو بالنسبة إلى الكافر و العاصي، و هذا مخالف لضرورة من الدين.
إلا أن يقال: إن المراد بالذاتي هو المقتضي لا العلة التامة، و من المعلوم: أن الأثر يترتب على المقتضي عند عدم المانع، و مع قدرة المكلف على إيجاد المانع ينتفع الكافر و الفاسق أيضا ببعث الرسل، فلا تلزم لغوية الفائدة الثانية.
[دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجرّي للعقاب]
(١) أي: يشهد ما في الآيات و الروايات على صحة ما حكم به الوجدان من حرمة التجري و العقاب عليه- كحرمة المعصية و العقاب عليها- لوحدة المناط فيهما، و هذا الكلام من المصنف إشارة إلى ما أفاده الشيخ الأنصاري في الرسائل من حرمة التجري بالقصد إلى المعصية حيث قال: «نعم؛ لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه؛ و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا ...» [١] الخ، و حاصل ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» أن التجري على قسمين:
القسم الأول: هو التجري من حيث العمل.
القسم الثاني: هو التجري من حيث القصد، و هنا طائفتان من الأخبار، فالمصرّح به في طائفة منها: هو عدم العقاب؛ إذ يكون مضمون هذه الطائفة: أن من قصد المعصية ثم لم يفعل لا يعاقب على قصده، و من قصد ثم عصى يعاقب عقابا واحدا.
و طائفة منها تدل على عقاب التجري بالقصد. و يذكرها الشيخ «(قدس سره)» واحدا بعد واحد إلى أن يقول: و يؤيده قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [٢] فلا بدّ أوّلا من ذكر هذه الطائفة من الأخبار مع توضيح دلالتها
(*) الذاريات: ٥٥.
[١] فرائد الأصول ١: ٤٦.
[٢] البقرة: ٢٨٤.