دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٤٩ - دفع محذور اجتماع الحكمين
فلا محيص (١) في مثله (٢) إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أيضا كما في المبدأ الأعلى؛ لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى: كونه على صفة و نحو لو علم به المكلف لتنجز عليه؛ كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها، و كونه فعليا إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبوية أو الولوية؛ فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه.
(١) هذا هو الجواب الثالث عن محذور اجتماع الحكمين، أو طلب الضدين، و هو جواب عن محذور الاجتماع في جميع الأحكام الظاهرية، سواء ثبتت بالأمارة أم بالأصل.
(٢) أي: في مثل بعض الأصول، و أشار بقوله: «في مثله» إلى جريان الوجه الذي سيذكره في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري- في غير أصالة الإباحة؛ بل كل حكم ظاهري نفسي، سواء كان في الأمارات على القول به، أم في غيرها كالاستصحاب على ما يظهر منه «(قدس سره)» في باب الاستصحاب من التزامه بجعل الحكم المماثل.
و كيف كان؛ فمحصل مرامه في هذا الجمع هو إنكار انقداح الإرادة و الكراهة في بعض المبادئ العالية، و توقفه على عدم الإذن لمصلحة فيه؛ لما عرفت: من أنه على تقدير انقداحهما يلزم اجتماع النقيضين، فضلا عن اجتماع الضدين في نفس الحكمين؛ لتضاد الإباحة مع الحرمة أو الكراهة، و مناقضة الإرادة أو الكراهة مع الإباحة لعدمهما المنكشف بالإباحة الظاهرية. و بالجملة: فلا بعث و لا زجر في الحكم الواقعي و لا تنجز له أيضا، و فعليته- أي: تنجزه- معلقة على قيام الأمارة عليه.
و أما الحكم الظاهري: فهو فعلي حتمي، فيجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بأن كلا الحكمين فعلي، غاية الأمر: أن الواقعي فعلي تعليقي، و الظاهري فعلي حتمي، و لا مضادة بينهما؛ لاختلاف رتبتهما؛ كما في «منتهى الدراية، ج ٤، ص ٢٣١».
و كيف كان؛ فقوله: «فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام» إشارة إلى الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري الذي يجري في موارد الأصول و الأمارات على حد سواء، و حاصله: عدم كون الأحكام الواقعية فعلية، فلا تكون معها إرادة أو كراهة كما أشار إليه بقوله: «بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية» كالنبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» و الولي «(عليه السلام)» «أيضا، كما في المبدأ الأعلى» كالله تعالى، فلا يلزم اجتماع إرادة و كراهة، و لا إيجاب و تحريم واقعيين. و بهذا يرتفع الإشكال في الجمع بين الأصول و الأمارات و بين الأحكام الواقعية المنافية لهما.