دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٧ - في التجري
و إن قلنا: بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة؛ ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة، بمجرد سوء سريرته أو حسنها، و إن كان مستحقا للوم أو المدح بما يستتبعانه (١)، كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة.
و بالجملة (٢): ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما، و إنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما (٣)، إذا صار بصدد الجري على
و أما الثاني: فلأنه لو كان الموجب لاستحقاق العقاب مجرد عنوان شرب الخمر للزم استحقاقه على شربه حال الجهل به أو الغفلة عنه؛ كاستحقاقه على الشرب حال العلم و الالتفات، لصدق عنوان شرب الخمر في الجميع، مع إنه ليس كذلك قطعا، فتعيّن أن يكون المناط في استحقاق العقاب هو العنوان الثالث- أي: شرب الخمر المعلوم تعلق النهي به- إذ به يصير العبد خارجا عن رسوم العبودية، و يكون بصدد الطغيان على مولاه، و من المعلوم: أن هذا المناط موجود في حق المتجري كوجوده في حق العاصي، فإن المتجري أيضا في مقام الطغيان على مولاه و هتك حرمته؛ لفرض اعتقاده جزما بأن ما يشربه هو الخمر المبغوض للمولى؛ و إن صادف كونه خلا أو ماء، فلا بد من القول باستحقاقه للعقاب لاشتراكه مع العاصي فيما هو الملاك لاستحقاق العقوبة، هذا بالنسبة إلى التجري.
و يجري الكلام بعينه في الانقياد، فإن الانقياد هو: العزم على موافقة المولى كالإطاعة و هو المناط في استحقاق المثوبة، فهما مشتركان في المناط.
(١) الضمير راجع على «ما» الموصولة المقصود به العزم على الموافقة أو المخالفة.
و ضمير التثنية راجع على سوء السريرة أو حسنها و الباء للسببية. يعني: إن سبب اللوم و المدح ليس نفس هاتين الصفتين- أعني: سوء السريرة و حسنها- بل ما يترتب عليهما من العزم على المخالفة و تمرد المولى، و العزم على الموافقة و الانقياد للمولى؛ «كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة» كالشجاعة و الجبن و الجود و البخل، فإنها و إن كانت لا توجب ثوابا أو عقابا، و لكنها موجبة للمدح و الذم فيقال: «فلان كريم» في مقام المدح، «أو بخيل» في مقام الذم.
(٢) هذا حاصل ما أفاده آنفا من عدم ترتب المثوبة أو العقوبة على مجرد سوء السريرة أو حسنها.
(٣) أي: المدح و الذم. و الضمير في «بها» و «طبقها» و «وفقها» راجع إلى الصفة الكامنة.